2021/05/07

التعددية الثقافية في مجتمع التعدد السياسي

هنا نص مداخلتي في ندوة ثقافية، كنت ضيفها الرئيسي في 18 جويلية 2011، في إحدى دور الثقافة بصفاقس، بحضور عدد من مثقفي الجهة..
التعددية الثقافية في مجتمع التعدد السياسي
محمد بن جماعة*
- 1 -
يتنزل الموضوع الذي أطرحه في هذه المداخلة في إطار الحراك السياسي الذي تشهده البلاد بعد الثورة، والذي أرى أنه سيستمر بقوة في إطار أعمال المجلس التأسيسي الذي نرجو أن يرى النور في شهر أكتوبر القادم.
فكما تعلمون سيكون على رأس مهام هذا المجلس المنتخب صياغة الدستور الجديد وتحديد السلطات في إطار التأسيس لدولة ديموقراطية حديثة. ومن الطبيعي أن يشغل الحديث عن الهوية الوطنية حيزا كبيرا هذه الأيام وفي فترة عمل المجلس التأسيسي القادم، لسببين اثنين يجب استحضارهما في الأذهان:
- السبب الأول: أن (الهوية الوطنية) ليست مجرد حلم غامض أو مفهوم نظري، بل هي أداة سياسية قوية وضرورية لتنظيم الجماعات السياسية وتوحيد الأفراد خلف مشروع الدولة المشتركة. وتعريف (الهوية الوطنية) يمثل المنطلق في تحديد ما يسمى بالعمق الاستراتيجي للدولة في مستوياته الأربعة: مستوى تقوية الشعور بالانتماء والتضامن بين أفراد المجتمع في داخل الدولة، ومستوى توظيف الموروث التاريخي والجغرافي في السياسة الداخلية والخارجية، ومستوى تحديد الأدوات اللازمة لضمان الأمن القومي للدولة، ومستوى البحث عن آفاق تجارية واقتصادية وشبكة علاقات دولية يمكن استثمارها بما يجعل الدولة ذات تأثير دولي في منطقتها.
- السبب الثاني: أن الحديث عن (الهوية الوطنية) يطفو على السطح وتحصل حوله التجاذبات كلما تعرض المجتمع لتغييرات اجتماعية جذرية، وخصوصا بعد الثورات، حيث ترى الأقليات في التغيير فرصة لانتزاع بعض الحقوق أو الضمانات لدعم هوياتها الخصوصية أو على الأقل لحمايتها من الذوبان في إطار الأغلبية.
لذا، فأعتقد أن من الضروري تفهّم الجدل الحاصل في تونس حول الهوية في المستويين السياسي والثقافي. ولكن من الضروري، في نفس الوقت، عدم الانجرار وراء تبسيط هذا الجدل كما يفعل البعض (بحسن نية أو سوء نية).
فنحن بحاجة لفهم الآليات التي تعمل على أساسها الهويات الوطنية:
- أولا: حتى نتمكن من إنشاء نخبة ثقافية وسياسية قادرة على صياغة مشروع وطني تونسي، على أساس الأدوات المتوفرة كالفضاء الجغرافي للدولة، والموروث التاريخي، والهويات المتراكمة والمتزاحمة في هذا الفضاء.
- وثانيا: بغرض البحث عن العناصر الملائمة لإقامة المشروع الوطني.
- وثالثا: حتى نتمكن من تكريس الهوية الوطنية في المؤسسات العامة، مثل نظام التعليم، والمؤسسات الحكومية، ولكن أيضا من خلال المظاهر الأقل ظهورا والتي توجَّه من خلالها الحياة الاجتماعية حتى تصبح الهوية الوطنية أمرا واقعا.
* * * * * * * * * * * *
- 2 -
مفهوم (الهوية الوطنية) يعتبر من المواضيع الشائكة في الدراسات الاجتماعية. وقد حاول عدد من الباحثين، في أوائل الثمانينات، تفكيك هذا المفهوم من خلال التعامل مع (الأمة) على أساس أنها "جماعة متخيلة" (Communauté imaginée)، وأن الإيديولوجيا القومية هي التي تنشئ الأمة، وليس العكس. غير أن بعض الدراسات الأخرى اللاحقة انتقدت هذا "التوجه القومي" في الدراسات الاجتماعية، معتبرة أن من الخطأ اعتبار الأمة خاصية ثابتة لدى الأفراد والجماعات، والتعامل مع الجماعات الإثنية والثقافية داخل الدولة الحديثة على أنها "جماعات متجانسة في داخلها، ومحددة في خارجها بشكل دقيق".
وفي هذا الإطار ظهر في العلوم الاجتماعية مفهوم "التعددية الثقافية" كمفهوم مقابل لمفهوم "القومية"، للتأكيد على أن تعزيز المواطنة على أساس التجانس الثقافي واللغوي (كما هو في الطرح القومي) يتعارض مع الاعتراف بالهويات والثقافات الأخرى التي يمكن أن توجد في نفس المجتمع، ويجعلها عرضة للتهميش أو الاستيعاب..
* * * * * * * * * * * *
- 3 -
يشير مفهوم التعددية الثقافية إلى الحاجات الخاصة لبعض الجماعات نتيجة لبعض سمات الهوية التي يختلفون بها عن الهوية الجماعية الغالبة في المجتمع.. وهذا يعني أن المجتمع يحتاج للتعاطي مع التعددية الثقافية كلما وجدت فيه جماعات وأقليات لغوية أو عرقية أو دينية أو قومية أو إيديولوجية، وطالما سعت هذه الجماعات للحفاظ على خصوصياتها الثقافية، إما عن طريق الحصول على اعتراف من قبل أعضاء الأغلبية، أو عن طريق إنشاء مؤسسات اجتماعية وسياسية مستقلة جزئيا أو كليا عن الأغلبية تساعد في دعم وحماية هذه الخصوصية الثقافية.
وتقوم سياسة التعددية الثقافية على جملة من المقولات، أهمها:
- الاعتراف بالطبيعة التعددية للمجتمع، والوجود السوسيولوجي لمختلف مكونات المجتمع
- رفض سياسة إذابة الثقافات لصالح ثقافة وطنية واحدة
- أولية القضايا الاجتماعية على القضايا الثقافية
- الاعتراف بأن المساواة تتطلب أكثر من أن تكون مساواة شكلية
- التأكيد على القيم الأساسية المتمثلة في الحقوق والحريات الشخصية، والمساواة الفردية
- تسهيل المشاركة الكاملة لجميع المواطنين في الحياة الوطنية من خلال دعم قدرات الأقليات العرقية والثقافية في المشاركة في عمليات القرار الوطني (المشاركة المدنية).
على المستوى العملي، أصبحت سياسة التعددية الثقافية سمة لعدد كبير من بلدان العالم.. وتتفاوت هذه التجارب من حيث النجاح والفشل في تحقيق السلم الاجتماعية. ومن أهم التجارب الناجحة في إدارة التعددية الثقافية: تجارب كندا والدانمارك والنرويج وأستراليا والهند وجنوب أفريقيا وسنغفورة. أما التجارب الفاشلة فأذكر منها (وهذا تقديري الخاص): الصين باعتبار قمعها للأقليات الثقافية والعرقية، والسودان الذي أدى به فشله في إدارة التعددية الثقافية إلى التقسيم في الأسبوع الماضي.
ومن الملاحظ أن التجارب الناجحة في إدارة التعددية الثقافية ارتبطت دائما بالدول ذات المرجعية الأنجلوسكسونية، والتي تعتبر حرية الفرد وكرامته هي محور فلسفتها السياسية، على عكس الدول ذات المرجعية الجمهورية التي تجعل من سلطة الدولة هي محور الفلسفة السياسية.
في التجارب الناجحة للتعددية الثقافية، يتحدد مفهوم الهوية الوطنية على أساس التنوع والتعددية الثقافية، ويقوم (كما في النموذج الكندي، مثلا) على أسس ثلاثة: القيم، والروابط، والثقافة.
1. القيم: تمثل القيم المكون الأساسي في بناء الهوية الوطنية، ويتجسد هذا من خلال القوانين الدستورية، والمواقف الرسمية الحكومية، ومختلف القوانين التشريعية. وفي النموذج الكندي مثلا، تم تحديد القيم الجوهرية للدولة كما يلي: المساواة، العدالة، الإنصاف، المساءلة، احترام التعددية، التضامن المؤدي للمسئولية الجماعية، الاعتماد على الذات.
2. الروابط: تهدف الروابط لإنشاء علاقات إيجابية بين المواطنين، من خلال توفير فضاءات لفهم الاختلافات ومحاولة إيجاد حلول لها، في ظل التنوع السائد في المجتمع.
3. الثقافة: تشكل الثقافة الدعامة الثالثة للهوية الوطنية، لأنها تخلق فضاء للتعبير عن التنوع الموجود، وفرصا لفهم هذا التنوع وقبوله، ولأنها تقول للأفراد إنهم جميعا، بذواتهم وقصصهم وتجاربهم وفنونهم وتاريخهم، على اختلاف ذلك كله، يمثلون جزءا لا يتجزأ من النسيج الاجتماعي والهوية المشتركة.
* * * * * * * * * * * *
- 4 -
نأتي الآن للسؤال التالي عن واقعنا في تونس:
هل يوجد تنوع ثقافي في تونس بالشكل الذي يستدعي وضع سياسة لإدارة التعددية الثقافية؟ أم أننا مجتمع متجانس ثقافيا وعرقيا ولغويا ودينيا وإيديولوجيا؟
أعتقد أن إشكالية الجدل القائم حاليا تنبع من محاولة البعض إلغاء أو تقليص قيمة بعض الأبعاد الأساسية للهوية في تونس، ومن محاولة البعض الآخر اختزال الهوية في عدد محدود من أبعادها..
نحن نحتاج للاعتراف بالفوارق الناتجة في إطار المجتمع التونسي والتي تخلق حدودا بين جماعات فرعية في إطار الجماعة الكبرى (أي الوطن). وهذه الفوارق ينشأ بعضها نتيجة للبيئة الثقافية المختلفة بين الجهات، وبعضها الآخر ينشأ نتيجة اختلاف التجارب الشخصية، وتصور الذات، والترتيب الاجتماعي، وتصور المشاعر والسلوك، وأنماط الروابط الاجتماعية، وترتيب المبادئ الأخلاقية، وأنماط التفكير، ووضعية الأقلية والأغلبية، ووضعية الهويات المختلطة أو الهويات الحدودية التي تنشأ من خلال نشأة بعض المواطنين في بلاد أخرى، أو دراستهم بالخارج، وتأثرهم بثقافات أخرى.. كل هذه العوامل تساهم في خلق تنوع ثقافي ملموس يجب أخذه بعين الاعتبار في إطار الدولة، وعدم اختزال الهوية الوطنية في عدد محدود من الأبعاد، بل يجب اعتبار تعدد الهويات في داخل المجتمع عنصر إثراء وليس عنصر تفكيك للتضامن الاجتماعي والوحدة الوطنية.
تحديد أبعاد الهوية التونسية يجب أن يتم بما يخدم العمق الاستراتيجي الذي نحتاج لتحديده للدولة. وكم هنا يمكن أن ندرك خطأ من يريدون إلغاء أو تقليص قيمة البعد العربي والبعد الإسلامي في الهوية التونسية، لأن العروبة والإسلام يشكلان جوهر العمق الاستراتيجي لتونس جغرافيا وتاريخيا وسياسيا. وفي المقابل نحتاج أيضا لاعتبار أبعاد أخرى، مثل وجود تونس في تقاطع بين المغرب العربي والمشرق العربي والذي يعطي خصوصية هامة لتونس. ونحتاج أيضا لاعتبار انتمائنا لحوض المتوسط، وللقارة الإفريقية، وأيضا قربنا الشديد من القارة الأوروبية. كل هذه الأبعاد، وربما غيرها، هامة جدا في تحديد الهوية الوطنية، من الناحية الثقافية. ومن الخطأ إلغاؤها أو تقليص أهميتها.
* * * * * * * * * * * *
- 5 -
ما هي عوامل النجاح والفشل في تجارب التعددية الثقافية؟
1- قد يوجد لدى الأفراد والشعوب المتجانسة عرقيا وثقافيا ودينيا، خوف غريزي أو طبيعي من التنوع والتعدد -ولعل الهويات الوطنية المتجذرة أو تلك التي تجد نفسها في وضعية الأقلية، هي الأكثر قابلية لهذا الخوف-، غير أن كثيرا منهم لا يرغبون في الظهور بمظهر المعادي للآخرين، وبالتالي فتجدهم يسعون للاختفاء وراء مبررات تبدو مقبولة في ظاهرها، وقد يلجأ بعضهم لاختراع أو تضخيم المخاطر الناتجة عن قبولهم، حتى في ظل قلة أو انعدام الأدلة والمؤشرات الدالة على ذلك.
2- من أهم العوامل المؤثرة في قبول سياسة التعددية الثقافية: النظرة للثقافة الدخيلة على المجتمع على أنها تمثل ثقافة يمكن التعايش معها أو لا، وذلك بناء على سلوكيات أفراد هذه الثقافة الدخيلة. فقد يكون من الصعب على بعض المجتمعات أن تتقبل فكرة التعددية الثقافية حين يكون المستفيد منها أقليات ثقافية تحمل تجاه ثقافة الأغلبية (أو المجتمع المستقبِل) نوعا من العداء الثقافي أو الاستعلاء أو الولاء المناقض له.
3- قد يرى البعض في تكريس التعددية الثقافية نوعا من "التلغيم" للمجتمع من خلال توسيع نقاط التماس بين الثقافات المختلفة في داخل الدائرة الواحدة بدل حماية الثقافة الوطنية.
4- يبدو أن نجاح تجربة التعددية الثقافية مرتبط بثلاثة عوامل رئيسية:
- يتمثل الأول في الحريات الثقافية الأساسية الممنوحة للأفراد، وقوانين الحماية ضد التمييز العرقي والديني والثقافي، والقوانين الخاصة بإعفاء الأقليات أو الاعتراف بهم ودعمهم، والتي تمثل أسسا ضرورية لضبط نزعة الأغلبية نحو الاستبداد أو نحو فرض ثقافتها على الأقليات. وبما أن قوة الوازع الأخلاقي لا تكفي لوحدها في واقع السياسة الراهن، فمن الضروري دعم هذه الحقوق بقوة القوانين الدستورية التي لا يمكن مخالفتها، والتي لا يمكن تفسيرها إلا عن طريق المحاكم الدستورية المحمية من تدخل من السلطتين التنفيذية والتشريعية.
- إنشاء المؤسسات والهيئات والبرامج والسياسات العامة التي تضع هذه القيم موضع التطبيق، والتي تسمح بوجود التنوع الثقافي وتحمي التعايش من احتمالات الاحتكاك والتوتر والصراع.
- السياسات التي تصوغ وتدعم الهوية المدنية المشتركة، في سياق ثقافي متنوع.
5- أما عوامل الفشل في مشاريع بناء الهوية الوطنية في ظل التعددية الثقافية، فهي مرتبطة بعدة أسباب أهمها:
- عدم القدرة على إدارة التعددية الثقافية بالشكل الذي يحقق السلم الاجتماعي والانسجام الاجتماعي،
- والتمييز بين الأفراد والجماعات اجتماعيا واقتصاديا وثقافيا،
- وعدم توفير الحماية اللازمة لحقوق الأفراد والأقليات الوطنية،
- والقمع السياسي.
وأختم المداخلة بالقول إن التحدي الرئيسي للتعددية الثقافية لا يتمثل في تبريرها أو الاستدلال على مشروعيتها، وإنما يتمثل في تحديد درجة وحجم الحقوق والامتيازات التي يمكن إعطاؤها للأقليات الثقافية بدون إفراط أو تفريط.
Like
Comment
Share

2016/06/28

معاناة المتحولين للإسلام داخل الجاليات المسلمة في الغرب

حدثني أحد الأصدقاء الكنديين وكان قسّيسا مسيحيا وأسلم منذ سنوات طويلة، أنه يدخل رمضان هذا العام بحالة نفسية مرهقة كثيرا، نتيجة خيبات الأمل المتكررة فيمن عرفهم من المسلمين، ونتيجة عدم عثوره على أي إطار روحي وديني يوفر له ما يحتاج إليه من الزاد العقلي والروحي والنفسي والاجتماعي.. مما جعل إيمانه يهتز ويضعف لأدنى درجاته..

وحدثني نفس الشخص قبل ذلك باسابيع عن حالات أخرى من الكنديين المتحولين للإسلام في مدينتنا، تخلوا عن الإسلام بعد صدمات كبيرة تعرضوا لها في ممارسة التدين في إطار الجالية..

قلت له: هذا ناتج لعدة اسباب من بينها:

1- ما يعرف في علم النفس بأزمة الأربعين (la crise de la quarantaine) والمتمثلة في تقييم الفرد لماضيه وحاضره ومستقبله، فتبدو له سنوات عمره الماضية وكأنها كابوس ثقيل، ويحد نفسه غير راض عما تحقق فيها، ويشعر أنه فشل فشلاً ذريعاً في تحقيق أحلامه على كل المستويات وأنه كان يجري وراء سراب.. حتى المبادئ والقيم التي أسلم وناضل من أجلها تبدو له شيئاً باهتاً، فلم يعد يرى لها القيمة نفسها، ولم يعد متحمساً لشيء ولا مهتماً بأي شيء ذي قيمة في المستقبل.. ويجد نفسه منطفئ الحماس ويكتشف أن الناس لا يستحقون التضحية من أجلهم، وأن المبادئ التي عاش لها لم يعد لها قيمة في هذه الحياة، وأن رفاق الطريق قد تغيروا وأصبحوا يبحثون عن مصالحهم ومكاسبهم بأي شكل وتخلوا عن كل مبادئهم وشعاراتهم التي رفعوها إبان فترة شبابهم، ولم يعد يخفف عنه آلام هذه المشاعر غير الوقوف بخشوع في الصلاة وتلاوة القرآن..

2- إصرار المسلمين المهاجرين والمستقرين بكندا على التمسك بموروثاتهم الثقافية من بلاد العرب والهند وإفريقيا وغيرها، واختلاط التدين بالعادات الثقافية والاجتماعية، مما جعل الكنديين المتحولين للإسلام يعجزون عن التمييز بين التدين وبين العادات الثقافية التي لا يستطيعون التأقلم معها.. باعتبار أن من حقهم هم أيضا التمسك بعاداتهم الثقافية الكندية والحياة بنمط عيش إسلامي متكيف مع ثقافتهم المحلية.

3- فشل المؤسسات والجمعيات الإسلامية عن التأسيس لخطاب إسلامي سليم تنسجم فيه القيم والسلوكيات، ويبتعد عن الأسلوب الوعظي التلقيني البارد، ويتلاءم مع واقع التنوع الإسلامي الذي تتكون منه الجالية المسلمة، ويحفز الأفراد والجماعات على الاندماج والفعل الاجتماعي المتميز..

كل ما يراه هؤلاء المتحولون في واقعنا هو: الاختلاف، والمشاكل، والصراعات المذهبية والفقهية، والحروب، والتطرف والتشدد، الخطب الجمعية الباهتة الباردة، والنشاط الاجتماعي الفوضوي، إلخ..

وإذا كان المسلمون يعانون من وضعهم كأقلية في المجتمع الكندي.. فهؤلاء المتحولون يجدون أنفسهم في وضع الأقلية داخل الجالية المسلمة.. فتصبح أزمة الهوية وأمة الانتماء لديهم مضاعفة: فلا هم مرتاحون لانتمائهم الكندي، ولا هم مرتاحون لانتمائهم الإسلامي..
فتنة أجد نفسي أمامها حائرا ضعيفا لا أملك ما يمكن أن أساعد به..

المسلمون و"رؤية العالم": نحو "علم فرق" معاصر

محمد بن جماعة


رؤية العالَم، أو "الرؤية الكونية" يُقصَد بها: النموذج التفسيري لفهم طبيعة المشكلات القائمة في الحياة، في مستوياته الثلاثة :
- مستوى التصور الذهني للعوالم الطبيعية والاجتماعية والنفسية،
- ومستوى الموقف من العالَم أو الحالة النفسية التي تستدعي إقامةَ علاقةٍ بهذه العوالم، علاقةِ تمكينٍ وتسخير، وسلامٍ وانسجام.
- ومستوى التخطيط لتغيير العالَم؛ ووضع مجموعة الأهداف التي يسعى الإنسان من خلال تحقيقِها إلى جعلِ العالَم أكثرَ انسجاما وتوازنا، بما يجعله أكثرَ تمكّناً من توظيف أشياءِ العالَم وأَحداثِه وعلاقاته وتسخيرِها لبناء حياةٍ أفضلَ للإنسان في هذا العالم.

وتحاول "رؤية العالم" الإجابة على عدد من الأسئلة في كل مستوى من هذه المستويات، من قبيل:
- كيف يمكن لمختلف الرؤى أن تقود الناس إلى استنتاجات مختلفة اختلافا ملحوظا حول جملة من القضايا والمفاهيم كأصل الكون والإنسان والحياة، والعدل والحرية، والفقر، وتوزيع الثروة، والسلطة، والانتماء والصراع، والحرب والسلم، والإثم والعيب، إلخ.
- ما هو تأثير محددات هوية الفرد (مثل: عِرْقه وجنسه ولغته وانتمائه الجغرافي إلخ) على رؤيته للعالم؟

وتوجد عموما، ثلاثة أنواع من رؤى العالم:
- الرؤى العلمية: وتقوم على دعائم ثلاث: الدعامة التجريبية (Empirism)، والدعامة العقلانية (Rationalism)، والدعامة الشكّيّة (Skepticism)،
- الرؤى الفلسفية: وتقوم على دعائم أربع: المنطق/التفكير المنطقي (Logic/Logical Reasoning)، الاستنتاج الاستنباطي من العام إلى الخاص (Deduction from General to Specific)، الاستنتاج الاستقرائي من الخاص إلى العام (Induction from Specific to General)، الرياضيات (Mathematic)، التخمين (Speculation).
- الرؤى الدينية للعالم: تقوم على دعامتي العقل والنقل (أو الوحي).

وتوجد عدة نماذج لمقارنة مختلف رؤى العالم، غير أننا نكتفي هنا بالإشارة لمثال واحد فقط يمكن أن يشكّل الإطار الأشمل للمقارنة:





وتمثل دراسة ومقارنة "رؤى العالم" محور الدراسات المعاصرة للأديان، لما توفره من زاوية نظر واسعة تساعد في فهم المشاكل الناجمة عن الانطباعات المتراكمة والمتولدة عن الدراسة التجزيئية للأديان. والمقصود هنا بـ"الدراسة المعاصرة للأديان" هو دراستها كأحد أبعاد الحياة، ومحاولة فهمها في السياق التاريخي، ومن خلال التقاطعات الثقافية في ما بينها، على ضوء الأدوات المعرفية التي تتيحها مختلف التخصصات العلمية، مثل علم النفس وعلم الاجتماع وعلم اللغة، إلخ. وذلك من أجل تسليط الضوء على حركتها وأثرها في الواقع الإنساني. وتمثل هذه الدراسة إطارا موازيا يتقاطع أحيانا، وبشكل طبيعي، مع العلوم السياسية والاقتصادية. وإذا جاز القول بأن الإنسان "حيوان سياسي بطبعه"، و"حيوان اقتصادي بطبعه"، فهو أيضا "حيوان متدين بطبعه". فليس من أحد، سواء متدينا أو ملحدا، إلا وله رؤية خاصة لذاته وللعالم من حوله، تشكل الخلفية التي ينظر من خلالها لحياته ولحياة الآخرين من حوله. ولذلك فمن الضروري دراسة الأديان من خلال البحث العميق في المشاعر والأحاسيس والأفكار التي تولّدها لدى الناس فيتحركون على أساسها.

ويعتمد تحليل "رؤية العالم" الناتجة عن الدين على شرح الرؤية وفهمها من خلال ربط الأفكار والمعتقدات الدينية بالرموز والممارسات (أو الشعائر)، بحيث لا يكون التحليل مجرد سرد للمعتقدات النظرية، بل يتم استحضار المعتقد والوعي والممارسة معا، إذ أن رؤية العالم "ليست صورة ساكنة من الرؤية النظرية ولكنها مرجعية يتم تفعيلها لتوجيه الأداء والممارسة، وتكون نتيجتها تعبيراً عن قيمة ما نقوم به من عمل، وليس ما قيل أو يمكن أن يقال" .

وبالنسبة للفرد، تتشكل رؤية العالم بطريقة تدريجية بطيئة وغير واعية (في أغلب الأحيان) في مسار أشبه بعملية الامتصاص، واعتمادا على التعليم والتنشئة والثقافة التي يعيشها. وبالتالي فإن "رؤية العالم" غير ثابتة بصورة مطلقة، بل تبقى في تشكّل وتغير وحركة دائمة، حتى وإن كانت معالمها الرئيسية تبدو أكثر استقرارا. ويستوي في هذا الأمر المتدينُ وغيرُ المتدين.

* المسلمون و"رؤية العالم": نحو "علم فرق" معاصر:

على ضوء ما تقدم، وإذا أردنا الانتقال من العام إلى الخاص، يمكن القول إن دائرة المسلمين لا تختلف عن هذا الإطار، وبالتالي لا يمكن الحديث في الواقع الراهن عن رؤية كونية موحدة للمسلمين، خلافا للواقع الإسلامي السائد لقرون طويلة مضت، والذي تميز بحالة كبيرة من الانسجام والوحدة الفكرية والرؤية المشتركة. وإنما يوجد حاليا تنوع إسلامي كبير، ورؤى إسلامية مختلفة للعالَم داخل الرؤية الإسلامية الجامعة، نتجت عن عوامل كثيرة ومتشابكة، واستجابت للتغييرات الاجتماعية المتزايدة في العالم نتيجة حركة الهجرة والتنقل من بلد إلى بلد، وتلاشي الحدود الثقافية من خلال أدوات الإعلام والتواصل الحديثة كالفضائيات والإنترنت .

أضف إلى ذلك أن الحديث عن رؤية العالم، كما يؤكد د. فتحي حسن ملكاوي، إنما هو: "حديث عما يمتلكه الفرد الإنساني أو الجماعة من إدراك ووعي وفهم، وليس عن شيء آخر لا يتمثل في الإدراك الإنساني. فالذين يميزون بين رؤية معينة واقعية يمتلكها الفرد بالفعل أو تمتلكها الجماعة بالفعل، وبين رؤية أخرى في صورة نظرة مثالية، إنما يتحدثون في واقع الأمر عن فهمهم الفعلي لتلك الرؤية المثالية وهي في نهاية المطاف رؤية بشرية.. وربما يعتمد الإنسان في تشكيل رؤيته على مصدر رباني علوي، كما يعتمد في إيمانه بقضية من القضايا على آية قرآنية. لكن الدلالة الكاملة والمطلقة لهذه الآية شيء والفهم البشري لها شيء آخر" .

وتشكل القضايا التالية أهم المعايير التي يمكن على ضوئها تحديد الفوارق في الرؤى الإسلامية للعالَم ، ونذكرها هنا في غير ترتيب:
- من هو المسلم، ومن هو الكافر
- تعريف الإيمان، والكفر
- مفهوم التكفير وتطبيقاته
- التعامل مع القرآن الكريم
- التعامل مع السنة النبوية
- تحديد الأصول والفروع في الدين
- حديث الافتراق
- تقسيم المعمورة
- مكانة الصحابة وأهل البيت والسلف
- التعددية المذهبية
- التوسل
- مفهوم السنة والبدعة
- الإمامة والخلافة
- الحاكمية والطاعة
- الجهاد والعنف
- جاهلية المجتمع
- الهوية الدينية والهوية الوطنية
- مفهوم الأمة
- الشورى والديموقراطية
- الإصلاح ووسائل التغيير
- الإسلام والقومية
- الإسلام والليبرالية
- العلاقة مع الآخر
- العلاقات الدولية
- الأقليات الدينية
- الحرب والسلم والدعوة.

ولا شك في أن الاهتمام بدراسة التنوع الإسلامي والفوارق المؤثرة بين المسلمين على أساس المعايير المذكورة، من شأنه أن يساهم في إنشاء (علم فِرق) جديد، يقوم على أساس تحديد مختلف الرؤى الإسلامية للعالم.

الأبعاد السبعة للدين

محمد بن جماعة

يقترح عالِم الأديان السكوتلندي نينيان سمارت (Ninian Smart) إطارا نظريا بسبعة أبعاد لدراسة الدين ورؤيته للعالم:
- البعد الأول: العقائدي والفلسفي (Doctrinal and Philosophical dimension): يحتوي الدين على نظام متكامل من المعتقدات. فالإسلام، مثلا، يقوم على الإقرار بوجود إله واحد لا شريك له، وأن محمدا (صلى الله عليه وسلم) عبد الله ورسوله، أرسله للناس كافة بشيرا ونذيرا، وهكذا... وتشكل هذه الإقرارات، في مجموعها، النظامَ الاعتقادي للإسلام حول ذات الله وصفاته، والعلاقة بين الخالق والكون، وبين الخالق وبقية المخلوقات، بما فيها البشر.

- البعد الثاني: القصصي أو الإخباري (Narrative or Mythic dimension): ويشمل القصص ذات الدلالة الدينية، التي تروى كتابةً أو شفويا، للإخبار والاعتبار والإلهام. وقد تكون هذه القصص رمزية أو تحكي وقائع تاريخية سابقة. 

- البعد الثالث: الأخلاقي والتشريعي (Ethical and Legal dimension): ويشمل جملة الضوابط والأحكام والأخلاق والتعاليم التي يأتمر بها المؤمن في حياته اليومية.

وتشكل الأبعاد الثلاثة الأولى ما يمكن تسميته بـ"شبكة الاعتقاد" أو "الشبكة الإيمانية". غير أن هذه الشبكة لا يمكن فهمها فهما سليما وكاملا إلا في سياق التجربة والممارسة. فالإيمان بالله ورسوله في الإسلام، مثلا، لا يكفي أن يكون إيمانا نظريا ما لم يصحبه التوقير والمحبة القلبية والرضى، واستحضار وجود الله تعالى ورقابته في حياة الإنسان اليومية، واستشعار نعمه وآلائه.

- البعد الرابع: التطبيقي والشعائري (Practical Ritual dimension):يحتوي الدين على بعد شعائري، يتمثل في الصلوات والطقوس والحركات والهيئات والأنشطة والأدعية والأذكار والأعياد والمواسم التي يتعبد بها المؤمن.

- البعد الخامس: التجريبي والشعوري (Experiential and emotional dimension): ويشمل ردود فعل المؤمن حين يواجه سياقا دينيا يشعر بعمقه، فيتحول إلى بكاء أو خشوع، أو خوف أو رجاء، أو نشاط أو غضب، أو رؤيا أو إشراقة روحية، إلخ.

- البعد السادس: الاجتماعي والمؤسساتي (Social or Institutional dimension): ويمثل الثمرة الاجتماعية والتنظيمية للممارسة الدينية، في علاقة المؤمنين بعضهم ببعض، وفي علاقتهم بغير المؤمنين، وفي علاقة الرجال بالنساء، والأطفال بالكبار، وتوزيع السلطة والوظائف والأدوار.

- البعد السابع: المادي (Material dimension): ويمثل ثمرة لقاء التجربة الدينية مع مظاهر الثقافة الإنسانية، مثل الموسيقى، والفن، والخط، والهندسة المعمارية، واللباس والزينة، والأدوات المستخدمة في أداء الشعائر إلخ.
ولا تشكل هذه الأبعاد أجزاءً من الدين يستقل كل جزء منها بذاته، وإنما هي أبعاد مختلفة حاضرة في نفس الوقت في علاقة تكامل وتأثير متبادل.



ويقترح سمارت دراسة هذه الأبعاد بترتيب عملي متسلسل يختلف عن الترتيب النظري السابق، ولذلك لتسهيل فهم ورسم العلاقات بينها:
1- البعد التجريبي والشعوري (Experiential and emotional dimension)
2- البعد الاجتماعي والمؤسساتي (Social or Institutional dimension)
3- البعد القصصي أو الإخباري (Narrative or Mythic dimension) 
4- البعد العقائدي والفلسفي (Doctrinal and Philosophical dimension)
5- البعد التطبيقي والشعائري (Practical Ritual dimension)
6- البعد الأخلاقي والتشريعي (Ethical and Legal dimension)
7- البعد المادي (Material dimension)

فللأفراد تجارب (1)، وهم يجتمعون مع الآخرين (2)، ويحاولون تبادل وفهم تجاربهم من خلال القصص والأخبار (3)، وخطاب عقلاني مقبول (4)، ويسعون لإبراز هذه التجارب والمعتقدات في حياتهم من خلال أداء الأعمال التعبدية (5) والأعمال اليومية العادية (6)، والأدوات والوسائل المادية التي يبتكرونها (7).

2016/06/21

أصناف المتعاملين مع القرآن

محمد بن جماعة


الناظر للمسلمين يلاحظ تنوعا واختلافا فيما بينهم في كيفية التعامل مع القرآن ومظاهر التفاعل معه والتأثر به.. وحين يسألنا غير المسلمين عن سر هذا التأثر والتفاعل مع القرآن، أو حين نسأل نحن أيضا المسلمين الجدد عن سبب دخولهم في الإسلام، نجد في أغلب الإجابات تعبيرا عن مشاعر وجدانية وتأثر شديد بهذا الكتاب.

ويتجاوز الاهتمام بالقرآن دائرة المؤمنين به وبربانية مصدره ليشمل غير المسلمين، من باحثين وغيرهم.

ولو أردنا النظر إلى أصناف المتعاملين مع القرآن فقط من الزاوية الشعورية الوجدانية لوجدنا تنوعا كبيرا. فالمسلمون يحبون القرآن، غير أن حبهم هذا يظهر بدرجات متفاوتة وبأشكال مختلفة وتعبيرات متعددة. وكلهم يشعرون بالانتماء له، غير أن منهم من يقنع ويرضى بالوقوع تحت سلطان القرآن فيأتمر بأوامره وينتهي عن نواهيه بدون الاهتمام بأي شيء آخر. ومنهم من يدافع عن هذا الانتماء ويحرص على دعوة الآخرين لمشاركته هذا الحب والانتماء للقرآن. ومنهم من يدخل في دائرة أهل القرآن وخاصته الذين يحفظونه ويعلمونه ويخدمونه ويفسرونه.

وكذلك الشأن بالنسبة إلى غير المسلمين من المتعاملين مع القرآن تختلف مشاعرهم، بين عدم الاكتراث والاحترام والغيرة والكراهية. وإن كانت غالبيتهم مشتركة في عدم الشعور بالانتماء للقرآن، فمنهم من يتعرف على القرآن بواسطة محبيه وأتباعه.

ولبيان هذا الأمر، نستعرض صورتين مجازيتين للمتعاملين مع القرآن، يمكن من خلالهما أن نفهم بعض جوانب هذا التنوع من زاويتي الانتماء والمشاعر.

* تقسيم د. محمد فضل الرحمن الأنصاري:

يقوم التصنيف الأول للمتعاملين مع القرآن على صورة مجازية ذكرها د. محمد فضل الرحمن الأنصاري، وهو أستاذ جامعي باكستاني الأصل، متخصص في الدراسات القرآنية، درّس في الستينات بجامعة ماكجيل بمونتريال، ثم في السبعينات والثمانينات بجامعة شيكاجو.. ففي كتاب له نشر بالإنجليزية في مجلدين بعنوان: ""The Quranic Foundations & Structure of Muslim Society"" (أسس المجتمع المسلم وبنيته في القرآن)، شبّه فضل الرحمن القرآن الكريم بـ(الدولة) فقال: "القرآن دولة، والبشر المتعاملون مع الدولة أربعة أنواع:
- سلطة
- مواطنون
- أجانب
- غزاة محاربون".




والمقصود بالسلطة والمواطنين: أولئك الذين يتبنون القرآن، ويتقاسمون الأدوار بحسب علاقتهم بالقرآن.. فقد نجد فيهم من يمثل السلطة (ونعني بهم الفقهاء والعلماء)، ومنهم من يقوم بدور الجنود المدافعين عن حدود الدولة، والبقية يمثلون العامة الذين يعيشون بهدوء وبساطة في كنف القرآن..
وأما (الأجانب) فهم الذين لا يتبنون قوانين القرآن ومبادئه، ولا يشعرون بالانتماء له، ولا يخضعون لسلطته..
وأما (الغزاة المحاربون) فهم الأعداء الذين لا يكفّون عن محاربة الدولة-القرآن، بإهانتها والتعدي على حرماتها وحدودها، أو الاعتداء على مواطنيها وسلطتها.

* تقسيم د. فريد إسحاق:

أما التقسيم الثاني، فقدمه أستاذ جامعي آخر، هو د. فريد إسحاق في كتابه المنشور بالإنجليزية والفرنسية " The Qur'an: A User's Guide"، (القرآن: دليل الاستعمال). وفريد إسحاق مفكر إسلامي من جنوب أفريقيا، ودرّس في جامعات بريطانية، وعرف في السابق بنضاله ضد نظام الميز العنصري في جنوب إفريقيا..

يقسّم فريد إسحاق المتعاملين مع القرآن إلى ستة أصناف. وتكمن قيمة هذا التقسيم وطرافته في اعتماده على مفهوم الحب والكراهية لتقسيم المتعاملين مع القرآن. فقسّم المحبّين للقرآن إلى ثلاثة أصناف تمثل بمجموعها (الأمة) أو (النحن):
- المحب الذي لا يملك نظرة نقدية
- المحب المتدين
- المحب صاحب الروح النقدية

وقسّم (الآخرين) أو (بقية العالم) إلى ثلاثة أصناف أخرى تتعامل مع القرآن على أساس مشاعر لا تندرج ضمن أنواع الحب، وإنما تتراوح بين التعاطف وعدم الاهتمام والغيرة والكراهية للقرآن ولمن يحبون القرآن:
- صديق المحب
- الناقد
- المشكك




1- الصنف الأول (المحب مسلوب اللب): يمكن مقارنته بحال المحب الذي لا يملك نظرة نقدية تجاه محبوبته، أو لنقل لا يرغب في النظر إليها بروح نقدية. فهو قانع مكتف، وحضورُ محبوبته وجمالُها يجعلانه في حالة وجدانية تنسيه واقعه وأحزانه، وتسمح له بأن يكون في حالة من الاستقرار واليقين في عالم مليء بالاضطراب من حوله. والقرآن بالنسبة لهذا المحب يمثل كل شيء.

ولذلك فهو يستغرب حين يسأله الآخرون: "ما الذي تجده في القرآن حتى تتعلق كل هذا التعلق؟ - فيجيب: ماذا تقصدون؟ أرى فيه كل شيء، وهو يوفر لي جميع ما أحتاجه.. ألم ينزل (تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ) (سورة النحل، 16:89؟ ألا ترى أنه (شِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ) (يونس 10:57)؟ فأن تكون مع القرآن يعني أن تكون مع الله".

هذا النوع من المحبّين، في غالبه، تراه مكتفيا قانعا بتلذذ هذه العلاقة مع محبوبته ولا يطرح على نفسه أية تساؤلات بخصوصها. وحين تأتيه بعض هذه التساؤلات من الخارج، سواء فيما يتعلق بشكل محبوبته، أو إن كانت ذات نسب شريف، أو ولدت في (أُمِّ القُرَى)، أو إن كانت جواهرها ودررها حقيقية وذات قيمة، فإنه يعتبر أن مبعث هذه التساؤلات هو الغيرة والحسد والرغبة في الانتقاص من جمال المحبوبة. ولذلك فهذا النوع من المحبّين للقرآن، وإن كانوا في ظاهرهم محبين عاديين إلا أن تعلقهم به شديد، وهم يتحاشون سماع مثل هذه التساؤلات لأنها تشكل لهم نوعا من الشغب الذي يشوش عليهم لذتهم في حب القرآن.

2- الصنف الثاني (المحب المتعبد): هو صنف المحبّين الراغبين في شرح مظاهر جمال محبوبتهم للآخرين، وأسباب تعلقهم بها، ولماذا يعتبرونها هبة من الله ويجب على الجميع أن يعترفوا بذلك. وهذا النوع من المحبّين يهتم بأدق التفاصيل في فضائل القرآن وأصله وتاريخه وطبيعته الأخاذة. وهذا المحب العاشق والعارف في نفس الوقت، تراه يتحسّر ويستغرب من عجز الآخرين عن إدراك جمال محبوبته، وانسجام هيئتها وغزارة حكمتها، التي تفوق الوصف وتستوجب الاحترام.

والقرآن في نظر هؤلاء المحبّين "فريد في صنعته، وليس يمنع الآخرين من إدراك ذلك والاعتراف به إلا العمى والغيرة والجهل". وهذا هو صنف العلماء المتدينين.

3- الصنف الثالث (المحب المفكّر): هو صنف المحبّين الذين يمتلكون ملكة نقدية. وهذا النوع مقتنع بسحر محبوبته وجمالها، غير أنه يرى مع ذلك أن مواجهة التساؤلات المشككة في طبيعة محبوبته وأصولها ولغتها، تمثل ضريبة حبه القوي وتعلقه الشديد بمحبوبته، بل يرى فيها أيضا فرصة لتعميق هذا الحب وتقوية هذا التعلق.

ويتميز هذا النوع من المحبّين بالقدرة على الحوار مع النوعين السابقين من المحبّين وأيضا مع الصنفين التاليين. وهو ينظر إلى الصنفين الأولين من المحبّين بنوع من عدم الرضى لأنه يرى أن محبتهما لا تؤدي إلى إبراز القيمة الحقيقية والكاملة القرآن. وهو يرى أنه لا يستطيع الاكتفاء بالنظر إلى الجوانب الظاهرة من جمال القرآن، وإنما يعتقد أن القرآن قادر على ما هو أكثر من ذلك، بحيث يجب أن يعود من جديد صانعا للحضارة والثقافة والفنون في مجتمعنا المعاصر.

4- الصنف الرابع (صديق المحب): ينتمي إلى "العالم الآخر"، عالم غير المسلمين، ويمثل خطا فاصلا بين الصنف السابق (صنف المحب ذي الروح النقدية) والصنف اللاحق (صنف المشكّك في جمال القرآن). وهذا الصنف يصفه فريد إسحاق بأنه صديق المحب، ويشبهه بحالة بعض الأصدقاء الذين ينظرون بعين الإعجاب إلى أصدقائهم الأزواج ويتساؤلون: (هل ما زال يحب أحدهما الآخر؟ وهل سيستمر تعلق أحدهما بالآخر بنفس الوتيرة السابقة؟).

تلك هي حالة الصديق غير المسلم القريب من أحد المسلمين، والذي ينظر للقرآن بعين التقدير والاحترام، ويرغب في معرفة تفاصيل أكثر عن مدى استمرار تعلق صديقه بهذا القرآن. وهذا الصنف من المتعاملين مع القرآن يسمهيم فريد إسحاق: الملاحظين المشاركين، ليس لأنهم يتبنون الإسلام، وإنما لأنهم يتبنون حساسية أصدقائهم المسلمين تجاه القرآن وتجاه الإسلام. ويشترك هذا الصنف مع الصنف السابق في المعاناة من عدم رضى الآخرين عن علاقة الصداقة بينهما، فهو متهم من قبل غير المسلمين باقرتابه من المسلمين أكثر من اللازم، في حين يتهم المسلم الذي يصادقه من قبل المسلمين الآخرين بأنه يظهر المودة لغير المسلمين.

هذا الصنف ينكر محبة القرآن ولكنه يحترمه ويشعر بالمسئولية الكبيرة تجاه مشاعر المحبّين للقرآن. ويعتبر أن جمال القرآن ظاهر في عيون محبيه وأتباعه، وإذا كان هؤلاء الأتباع يعتبرونه كلام الله، فليكن الأمر كذلك، وليُقْبَل القرآن بهذه الصفة التي يؤمن بها محبّوه.

5- الصنف الخامس (المراقب الناقد): يمكن تسميته بـ"المراقب الناقد" الذي لا يشعر بأي مسئولية تجاه مشاعر المحب، ولا يهتم سوى بملاحظة القرآن والبحث في الوقائع المتعلقة به. وهذا الصنف يقدم نفسه كباحث غير معني بإثبات أو نفي المصدر الإلهي للقرآن، ولكنه في المقابل لا يتوانى في اتهام القرآن بأنه مجرد نسخة مطورة من التراث اليهودي المسيحي.

ويرى فريد إسحاق أن هذا الصنف المتلصص، وإن ادّعى الموضوعية وعدم الاهتمام، لا يلقى ترحيبا من الأصناف الأربعة السابقة، لأن من المعروف أن الحياد في البحث المعرفي غير ممكن.

6- الصنف السادس والأخير (المشكّك الكاره): هو صنف المشككين في قيمة القرآن وجماله، وهم في العادة متعلقون بمحبوبة أخرى، كالإنجيل أو الإلحاد مثلا. ولأنهم قلقون من ازدياد أتباع القرآن ومحبيه، فهم يحاولون إثبات بشرية القرآن وأنه لا يتميز عن غيره من التجارب الإنسانية والإنتاج المعرفي البشري. وإذا عجزوا عن تحويل المسلم إلى المسيحية أو الإلحاد، تراهم يتجهون إلى التشهير وإطلاق صيحات الفزع من خطر تعلق المسلمين بالقرآن وتعاظم دورهم السياسي، وكلما رأوا سلوكا خطيرا من المحبّين للقرآن سارعوا باتهام القرآن بأنه وراء هذا السلوك: (أليس القرآن هو الذي يدعوهم للقتل؟ أليس القرآن هو الذي يجعل من المرأة ذليلة مهينة؟ إلخ." 

هذا هو إذن تقسيم فريد إسحاق لأصناف المتعاملين الستة مع القرآن.. وقد فصّله كثيرا في كتابه المذكور، الذي يحتوي على كثير من الأمور الجديرة بالقراءة والتأمل، وإن كان من الممكن أن نختلف معه في بعض التفاصيل.

ولعل ما يهم التركيز عليه في ما يمكن استنباطه من هذين التقسيمين، أمور ثلاثة:

الأول: أننا نحن المسلمين نشترك جميعا في حب القرآن والتعلق به والشعور بالانتماء له.. ولكن قد يظهر حبنا بأشكال مختلفة، ويتجسد انتماؤنا بصور وأدوار متنوعة.
ولذلك، فلعلنا نخطئ إذا وجهنا اللوم لمسلمين آخرين لمجرد حبهم للقرآن بشكل مختلف عن حبنا له.
ولعلنا نخطئ أيضا إذا اعتبرنا مظهر انتمائنا للقرآن هو الوحيد المشروع.

والثاني: أن غير المسلمين ليسوا سواءً في علاقتهم بالمسلمين ومقدّسات المسلمين. ولذلك يجب التفريق في المعاملة وعدم جمعهم في سلة واحدة. وغير المسلم قد يكون غير مؤمن، ولكنه ليس بالضرورة عدوا محاربا. فالفرق كبير بين غير المكترث للقرآن والمتعاطف معه (أو مع من يحب القرآن من المسلمين)، والمحب لغير القرآن الناظر له بعين الغيرة، والكاره الذي يكيد المكائد.

والثالث: أن تقسيم فريد إسحاق يشير إلى قيمة المنطق الوجداني للبشر. وهو يذكّرنا بما أشار إليه الكاتب الفرنسي جوستاف لوبون في كتابه (الأفكار والمعتقدات: التكوين والتطور) من أنّ المنطق الذي يحكم تفكير الإنسان وسلوكه ليس كله عقلانيا، وإنما هو عبارة عن تركيبة معقدة من خمسة أنواع من المنطق، تتراكم وتتزاحم في نفس الوقت فيما بينها. وهي: المنطق العقلاني، والمنطق الوجداني العاطفي، والمنطق الاعتقادي، والمنطق الجماعي، والمنطق البيولوجي.


2014/05/08

الإتقان وقياس الأداء والمساءلة والمحاسبة معاني غائبة او تكاد في ثقافتنا التونسية

الإتقان وقياس الأداء والمساءلة والمحاسبة معاني غائبة او تكاد في ثقافتنا التونسية.. وهذا هو جوهر النقد الذي أمارسه.. 

تذكير بتعريف الإتقان (الوارد في القرآن والسنة بلفظين مختلفين: الإتقان والإحسان): الإتقان في العمل أداء لعمل ما تتوفر فيه شروط ثلاثة:
- أولها: أداء العمل دون خلل فيه.
- وثانيها: الالتزام بمتطلبات ذلك العمل من التقيد بضوابط وتقنيات معينة ومعروفة مسبقا.
- وثالثها: أداؤه في الوقت المحدد دون تأخير.. بحيث يتمكن هذا الأداء من تحقيق الحاجات المعلنة والضمنية للمستفيد من العمل والحصول على رضاه.

هذا المعنى كان غائبا في بعض أبعاده عن تفكيري حين كنت في تونس.. رغم أنني كنت شديد الحساسية والانتباه له فيما يتعلق بالبحث العلمي وقواعد التفكير السليم... ورغم ما حاولت إنجازه في إطار عملي بتونس حين كنت مديرا لمصحة طبية.. ولكن حصلت لي صدمة ثقافية كبيرة حين هاجرت لكندا وعشت في هذا المجتمع الغربي، واضطررت للعودة للدراسة بالجامعة ثم البحث عن عمل..

ما تعلمته هنا كشف لي حجم الهوة في طرق التفكير بين ما نعيشه ونمارسه في تونس، وما يعيشه ويمارسه الغرب..

نحن في تونس فاقدون تقريبا لمعنى الإتقان.. وفاقدون تماما لمعنى المحاسبة.. ومعنى المساءلة.. ومعنى التقييم.. وفاقدون للمعنى الحقيقي (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) الذي لا يقصد به محاسبة الناس في ما يتعلق بحياتهم الشخصية (طريقة لباسهم وأكلهم ومشيهم، إلخ)، وإنما يقصد به قياس الأداء الفردي والجماعي والتنبيه على مظاهر الخلل لإصلاحها..

ما لاحظته في تونس سواء قبل الثورة أو بعدها، هو أن مفهوم الإتقان وقياس الأداء والمحاسبة، والتقييم لم يطبق بشكل جيد إلا في قطاع الرياضة الذي يعمل بعقلية الاحتراف والعقلية الغربية.. والجميع يلاحظ كيف أصبح اللاعبون التونسيون يملكون القدرة على الوصول لدرجات عليا من الكفاءة في الأداء، والقدرة على قبول النقد والإصلاح والتطوير السريع، وقبول نقد المدرب وقبول خططه التكتيكية، إلخ.. وهذا ما نرى أثره في وضع الكرة التونسية على المستوى العربي والإفريقي والدولي، ووضع اللاعبين التونسيين وقدرتهم على اللعب في بطولات دولية راقية..

قطاع الرياضة في تونس هو الوحيد تقريبا الذي نجح في تجاوز عقد ثقافتنا التونسية المتواكلة، المتهاونة، الراضية بالموجود، والمتواطئة على الكسل والتراخي وعدم احترام ضوابط الإتقان (في الوقت، والتخطيط والممارسة والمساءلة والمحاسبة والإصلاح...)..

في ما عدا ذلك من أطر العمل الجماعي، سواء كانت أحزابا سياسية أو جمعيات مدنية، ما زالت توجد سلوكيات خاطئة وطرق تفكير منحرفة، وأساليب تضامن بين الأفراد غير سليمة.. وهي ما نحتاج للتركيز عليها من أجل المصلحة العامة لفرق العمل الصغيرة، وايضا للمصلحة العامة للتوانسة عموما.. وقد ذكرت عدة مرات أن من مصلحة المشهد السياسي في تونس، مثلا، أن تكون فيه جميع الأحزاب قوية، وديموقراطية، وذات قاعدة شعبية عريضة، وتدار بعقل إداري محترف، وتتخذ مواقف سياسية ذكية وعميقة ونافعة في التدافع العام.. نفس الشيء بالنسبة إلى الجمعيات المدنية.. مثل كرة القدم: لا يفيد وجود فريق قوي ومحترف في بطولة ضعيفة فيها فرق ضعيفة.. ما يفيد هو وجود بطولة قوية عموما، فيها الكثير من الفرق القوية والمحترفة.. نحن إذن نحتاج لعقلية تنافسية الجميع فيها رابحون (Gagnant-Gagnant)، وليس فيها رابح وخاسر..

في هذا الإطار، أريد أن يفهم الجميع طبيعة نقدي للنهضة ولغيرها من الأحزاب أو المنظمات.. فنقدي لا يهدف للتدمير أو الانتقاص.. وإنما يهدف للتحدي الفكري والسياسي والسلوكي، والوقوف عند الأخطاء والسلوكيات الخاطئة، كي يدرك اصحابها وجود الخطأ ويتوقفوا عنده بالدراسة والتقييم والبحث عن حلول والإصلاح..

ومن يظن أو يتوهم أو يزعم أن ما يحصل في هذه الأيام الأخيرة هو نتيجة تحيزي السياسي ضد النهضة، أو عقدة نفسية تجاهها، أو رغبة جفينة في الانتقام بعد استقالتي منها، إنما يمعن في الخطأ والتفكير المنحرف عن الصواب.. 

ليست لدي أي "عقدة" لا نفسية ولا فكرية ولا سياسية تجاه النهضة أو قيادة النهضة أو أعضاء النهضة أو مشروع النهضة.. ولا تجاه المؤتمر ولا غيره من الأحزاب.. أنا معني بالتغيير والإصلاح والتطوير وخلق مجال تنافسي على الخير في الواقع التونسي عموما.. ولذلك فقد كنت منفتحا على النهضة وعلى المؤتمر وكثير من الشباب غير المسيس.. أتعامل مع الجميع بنفس الحرص عليكم وإرادة الخير لكم، وحب التعاون معكم.. للمساعدة بما اقدر في النمو الروحي والنفسي والعقلي ووالمعرفي والسلوكي للتوانسة عموما..

ما أنقد فيه النهضة وغيرها من الأحزاب، ليسن لاستغلال نقاط ضعفهم، أو لتوظيفها، أو لتدمير صورتهم العامة وتحبيطهم.. وإنما هو نابع مطلقا من إرادة تطوير القدرات التونسية، وخروج أعمال الجميع في أحسن شكل ممكن.. ولا علاقة لهذا الأمر بالنهضة في حد ذاتها.. وإنما يشمل الجميع تقريبا: المؤتمر، وفاء، الجبهة، إلخ..

ولذلك، فسأواصل النقد بنفس الشكل ونفس الحرص ونفس المحاسبة ونفس المراقبة..

ومثلما قلت سابقا: النقد أساسه تجريح، يعني أنه عبارة عن جراحة.. لذلك فهو مؤلم.. والطفل الصغير عداة يرفض الجراحة خوفا من الألم وتفاديا له.. أما الكبير فيفترض أن يقبل بالألم ولو على مضض، لما يدركه من قيمة الجراحة في عملية العلاج والإصلاح..

هذا ما حصل لي حين أتيت إلى كندا، فعانيت الكثير من النقد بسبب سلوكياتي الخاطئة في التعلم والتفكير والممارسة والإدارة وإدارة مصاريفي المالية، وعملي في إطار الجمعيات، إلخ.. ما حصل لي كان زلزالا ثقافيا أربكني لعدة أشهر.. وربما لسنوات.. ولكنني في الأخير أدركت قيمة ما تعرضت له، وقبلت به، وألزمت نفسي بقبول النقد والملاحظات وتعلمت منها وغيرت من عاداتي السلوكية والفكرية.. لكي أصل لما أنا عليه.. بدون أن أدّعي الكمال أو الرضا التام.. فأنا متعلم دائم.. وما زلت أكتشف الكثير في بواطن عقلي ونفسي، وترسباتي الثقافية.. وأرجو أن أستمر في تجاوزها يوما بعد يوم..

أرجو أن يكون هذا الأمر واضحا.. مرة أخرى..

محمد بن جماعة

2014/05/02

الرؤية القرآنية للعالم ومفهوم الحياة الطيبة من خلال سورة النحل

مقالي المنشور في مجلة الإصلاح التونسية بتاريخ 02/5/2014
الرابط: http://alislahmag.com/index.php?mayor=contenu&mayaction=article&article_id=852&idlien=189


يندر أن تجد أحدا منا، نحن المسلمين، لا يعاني من اضطراب في العلاقات سواء في الأسرة أو في دائرة الأصدقاء أو في العمل.. ويندر أن يعيش أحدنا بدون خلافات ونزاعات وخصومات يصل بعضها لدرجات مدمّرة نفسيا واجتماعيا..

وفي المقابل، يقول الله عز وجل في سورة النحل (آية 97): "مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ". فلماذا نعاني في حياتنا اليومية من كثرة المشاكل والخلافات والقلق، رغم إيماننا وعملنا الصالح؟ هل نحتاج لإعادة نظر وإعادة ترتيب في رؤيتنا للحياة لتحقيق معنى "الحياة الطيبة"؟

سورة النحل، قرأتها سابقا عشرات المرات.. إلا أنني شعرت في الأيام الفارطة كأنني أقرأها للمرة الأولى.. وجدت أن السورة ملخص كامل للقرآن الكريم.. وقارنت محتواها بما قرأته سابقا عن مفهوم "رؤية العالم" الذي يعتمده الفلاسفة وعلماء الاجتماع والسياسة منذ أواخر القرن التاسع عشر.. وقارنت محتواها بخلاصة علم النفس الفردي، فوجدت أن توجيهات السورة تلتقي كثيرا مع ما تدعو له هذه المعارف الجديدة..

هذا الأمر ينبه إلى الحاجة لتجديد فهمنا للقرآن وتنويع زوايا النظر على ضوء المعارف الجديدة:

1. فتطور المعارف حول الطبيعة والنفس البشرية، واكتساب معرفة إضافية، يدعونا لمراجعة بعض القضايا بما يتفق وهذا الجديد من العلم. والقضايا الدينية عموما لا تخرج عن هذه القاعدة. فنحن بحاجة أحيانا لإعادة قراءة القرآن من زوايا جديدة اعتمادا على تطور معارفنا.
2. أضف لذلك، أن مهمتنا كأجيال أتت بعد الجيل الأول للإسلام لا يمكن قصرها على مجرد جمع أقوال الجيل الأول وحفظها وشرحها وشرح الشروح عليها.. وإنما نحن مكلفون أيضا بخدمة (الحق والدعوة إلى الله) بالمعارف الجديدة التي نكتسبها، خصوصا وأن الكفر والإلحاد والتشكيك في حقائق الدين أمر قائم ودائم، ويجدد وسائله ومقولاته ويبتكر أدوات معرفية جديدة، يتحدى بها الإيمان، وهذا يفرض علينا التعامل معه وفق المستجدات والمتغيرات، وتحديه بأدوات معرفية جديدة..

2. ما المقصود برؤية العالم؟
هو اصطلاح يستعمل لعرض وجهة نظر شمولية لفرد مّا أو لمفكر أو جماعة، حول الكون والعالم والحياة، وحول المشكلات والقضايا التي تتعرض لها الإنسانية في واقعها.. ويعرّفها الفلاسفة بأنها مجموعة متجانسة من المفاهيم تسمح "بصياغة تصور عام للعالم والحياة، وصياغة فهم لأكبر عدد ممكن من عناصر الخبرة والتجربة الحياتية".

ويشترط الفلاسفة لكي تكون الرؤية كاملة، أن تجيب عن ستة أسئلة جوهرية لتشكيل "رؤية للعالم":

1. سؤال الواقع، ويمكن التعبير عنه بسؤال "ماذا؟": ما هي طبيعة عالمنا الذي نعيش فيه الآن؟ ما هي تركيبته؟ وكيف يتم توظيفه؟ ما هي علة وجود شيء، وعلة انتفاءه ؟ إلخ.
2. سؤال الماضي والأحداث السابقة والبدايات: كيف نشأ العالم؟ ومن أين؟ ولماذا أصبحت وضعية العالم على ما هي عليه الآن، ولم تتخذ شكلا مختلفا؟ وما هي المبادئ التفسيرية العامة التي يمكن تطويرها حول نشأة الكون والعالم والحياة على الأرض؟
3. سؤال المستقبل: إلى أين؟ ما هو مصير الحياة في هذا الكون في المستقبل؟ وما هي السيناريوهات المتاحة للبشرية؟ وكيف نرجّح بينها، وندفع باتجاه معين ونتحاشى غيره؟
4. سؤال القيم والأخلاق: ما هو الخير وما هو الشر؟ وما هي غاية الحياة؟ ما الذي ينبغي أن نناضل من أجله؟ وبأي وسائل نناضل؟ وما هي الوسائل التي نتجنبها؟
5. سؤال الفعل والسلوك الإنساني: كيف ينبغي أن نتصرف؟ وعلى أي مبادئ نؤسس فعلنا وسلوكنا؟
6. سؤال المعرفة: كيف نكتسب المعرفة، ونصوغ تصوراتنا؟ وكيف نتأكد من صوابية معرفتنا ونبرهن عليها؟ وبأي لغة وأدوات نصوغ هذه المعرفة ؟
7. ثم يقترحون سؤالا كليا شاملا وهو: من أين نبدأ، للإجابة عن كل الأسئلة السابقة؟ وما هي المنهجية؟

3. أنواع رؤى العالم

يمكن أن نجد رؤية دينية (منطلقة من أسس دينية، مثل الرؤية الإسلامية، الرؤية المسيحية، الرؤيو البوذية)، أو رؤية إيديولوجية وفلسفية (مثل الرؤية القومية، الشيوعية، النازية، الليبرالية، الاشتراكية). وتوجد رؤى فرعية من كل الرؤى الكبرى (مثل الشيعة والسنة، والسلفية والصوفية، والكاثوليك والبروتستانت، والقومية البعثية، والشيوعية التروتسكية واللينينية، والليبرالية، والاشتراكية المسيحية، والاشتركاية الديموقراطية).

وكما نلاحظ، فمفهوم رؤية العالم قريب جدا لعلم الفرق والملل والنحل، الذي كتب فيه بعض العلماء (عبد القاهر البغدادي، وابن حزم، الشهرستاني، النوبختي).. ولكن كتابتهم لم تكن ممنهجة بل تجميع للفروقات البسيطة والمركبة.

4. هل هناك ضرورة لامتلاك رؤية للعالم؟

صياغة "رؤية للعالم" تلبي احتياجات نفسية واجتماعية حقيقية.. ومن يملك رؤية دينية أو فلسفية واضحة للعالم، يكون أقل شعورا بالقلق الوجودي واليأس وضعف الثقة بالنفس.
والإيمان والعقائد الدينية من أهم العوامل في تحصيل السعادة لأنها تضفي معنى على الحياة والوجود، وتملأ النفس بالأمل والثقة، وتعطي تفسيرا عميقا للآلام والمعاناة، وإحساسا بالانتماء إلى كيان أكبر.
وعلى هذا، فنحن جميعا بحاجة ماسة إلى رؤية ما للعالم، ولو لم تكن كاملة الوضوح، وبحاجة أيضا لأن يكون لدينا بعض عناصر الإجابة لكافة التساؤلات المتعلقة بالكون والحياة.

5. الرؤية القرآنية للعالم من خلال سورة النحل

آياتها: 128.. سورة مكية ماعدا الآيات 126-128 فمدنية. نزلت بعد سورة الكهف وقبل سورة نوح.

1) السورة خلاصة شبه كاملة للرؤية القرآنية للعالم، وتجيب عن الأسئلة الستة. وتدعو الإنسان للنظر والتأمل في كل ما يحيط به في الحياة، وإدراك ما وفره الله للإنسان لبناء "الحياة الطيبة" على الأرض بشكل عام.. وتعطيه إجابات سريعة ومركّزة عن كل ما يحتاجه لبناء رؤيته للكون والعالم والحياة.

2) تبدأ السورة بالحديث عن المدخل لامتلاك الإجابة السليمة عن التساؤلات الكبرى للحياة حتى لا يبقى الإنسان حائرا ضعيفا أمامها: كيف وجدتُ في هذه الأرض ولماذا؟ وماذا عليّ أن أفعل؟ وما هو مآلي بعد الموت؟ وكيف أتعامل مع الخير والشر؟ إلخ.. فتذكر أن المدخل الوحيد هو الوحي والنبوة، ولا يمكن لأي مدخل معرفي آخر أن يوفر الإجابة السليمة عن هذه الأسئلة: (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ.. يُنَزّلُ ٱلْمَلَـٰئِكَةَ بِٱلْرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَآء مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُواْ أَنَّهُ لا إِلَـٰهَ إِلا أَنَاْ فَٱتَّقُونِ). وبالتالي فسؤال وجود الله وصفاته لا يمكن الإجابة عنه لا بالعلم التجريبي ولا بالفلسفة وإنما بالوحي والنبوة.

3) ثم تنطلق في بيان الرؤية، منذ بدايات الخلق (سؤال الماضي والبدايات): فالسماوات والأرض خلقتا بِالْحَقِّ (في غير عبث).. تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ.. والإنسان خلق من نطفة (من قطرة ماء صغيرة). ولكنه سيصبح تدريجيا خصيما مبينا، مجادلا بعقل ولسان، قادرا من خلالهما على التفكير والبيان والتواصل مع الآخرين.

4) ثم تتحدث السورة عن أدوات الحياة التي وفرها لله للإنسان (سؤال الواقع): الحيوانات (الأنعام، الخيل البغال، الحمير)، ووظيفتها المباشرة (الغذاء والملبس والتنقل وحمل الأشياء التي يصعب على الإنسان حملها بنفسه) ووظيفتها غير المباشرة (كأداة للتأمل في طريقة حياتها وحركتها، لاختراع الأشياء على شاكلتها، إلخ).. ثم الماء والزرع، ومظاهر التنوع والجمال في الطبيعة والحياة، (وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ.. وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ).. وتسخير البحر للطعام واستخراج حلي الزينة، وأهمية الجبال والأنهار والمسالك والطرقات، وعلم الفلك للاهتداء بالنجوم. (وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلاً لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ.. وَعَلامَاتٍ.. وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ)

5) ثم تتحدث السورة عن أدوات الفعل الإنساني التي وفرها الله للإنسان: السمع والبصر والعقل، والمعرفة. وتبشّر مَنْ أحسن استخدامها (ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّـٰهُمُ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ طَيّبِينَ..)، وتحذّر من يسيء استخدامها (ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّـٰهُمُ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ).

6) ثم تتحدث عن دور الرسل في الهداية، وتصحيح الانحرافات عبر التاريخ البشري، وإعادة تصحيح البوصلة نحو الله، والدعوة لاجتناب الطغيان المادي والسياسي والاجتماعي والإفساد في الأرض: "وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱلله وَٱجْتَنِبُواْ ٱلْطَّـٰغُوتَ".. "وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِى إِلَيْهِمْ"

7) وتذكّر بنعم الله.. وحق الشّكر له والاعتراف بفضله وضرورة عبادته: "وَمَا بِكُم مّن نّعْمَةٍ فَمِنَ ٱلله". "وإن تعدّوا نعمة الله لا تحصوها".. وتذكّر بأهمية حفظ مقام الألوهية والاعتراف بوجودها والإذعان لها: (أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ)..
ثم تعطي نماذج للمستكبرين وشرك الكفار وإنكارهم للنبوة، وتحذّر من نموذجهم.. وتجمع في السياق بين الإيمان بوحدانية الله والإيمان بالآخرة. بل تجعل أحدهما دالا على الآخر فلا يمكن الإيمان بوجود الله دون الإيمان باليوم الآخر والبعث والجزاء: (إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ. فَالذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ)..
ثم تتحدث عن المشيئة الإلهية ومفهوم القضاء والقدر.. وتنفي مفهوم الإجبار، وتقرّر أن الله يأمر عباده بالخير وينهاهم عن الشر.. ثم يترك لهم حرية الاختيار.
ثم تتحدث عن موقع المرأة في المجتمع، وتصحّح المفاهيم الخاطئة حولها، وتدفع الظلم الذي كانت تعاني منه في المجتمعات البشرية المنحرفة: (وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيم). وتنبه على قيمة مؤسسة الأسرة والزواج كإطار سليم للحياة.

وتنبه على أهمية تكريس التعاون في إطارين:
1. إطار المجتمع بما يوفر للجميع الرزق وأسباب العيش الكريم تضرب الأمثال لشرح سبب الاختلاف في الرزق (وَاللّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الْرِّزْق فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُواْ بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاء أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ)
2. إطار الزواج، وإنجاب الأبناء لضمان استمرار الحياة البشرية وعمران الأرض: (وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً)

ثم تشير لأهمية البيت والمسكن والملبس كضرورات للعيش الكريم، وتسخير الأدوات لذلك من الطبيعة التي وفرها الله في الأرض، مثل صناعة الملابس من جلود وصوف الحيوانات، واستعمال حجارة الجبال في البناء..
ثم تتحدث السورة عن سؤال الفعل والسلوك (السؤال الخامس)، وأهمية الأخلاق والنهي عن نقض الوعود. والأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، والنهي عن الفحشاء والمنكر والبغي.

وتختم السورة هذه الرؤية القرآنية بست إشارات هامة:
1. الإشارة إلى أن هذا الإطار العام لرؤية العالم هو الكفيل بتحقيق الحياة الطيبة في الأرض.. وأن البشرية مأمورة باتباع هذه الرؤية لتحقيق وظيفة "عمران الأرض" التي خُلِق الإنسان من أجلها.. "مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ"
2. أن الرافضين للالتزام بهذه الرؤية الربانية للعالم مآلهم الخسران في الدنيا والعقاب في الآخرة، باعتبار أن أي رؤية مخالفة ستنحرف جزئيا أو كليا عن المهمة الأساسية للإنسانية في الأرض.. (وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ.. وَلَقَدْ جَاءهُمْ رَسُولٌ مِّنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ).. وتذكر السورة أنّ أهمّ مثال بشري على الانحراف عن هذه الرؤية القرآنية هو نموذج بني إسرائيل ( وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ).
3. أن المخالفين للرؤية القرآنية للعالم نوعان: مخالف مُعرِض جاحد تماما.. ومخالِف مُكْرَهٌ على ذلك، بشكل من الأشكال.. وتبيّن الفرق بينهما: "مَن كَفَرَ بِاللّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَـكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ.. ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّواْ الْحَيَاةَ الْدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَأَنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ.. أُولَـئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ".
4. أن هذه الرؤية القرآنية للعالم ليست حكرا على أتباع الإسلام، بل هي في الأصل إعادة إحياء لنفس الرؤية التي أوحى بها الله للأنبياء السابقين.. وتذكر إبراهيم (ع) كنموذج أمثل للإنسان الذي عاش حياة طيبة، متمثلا الرؤية القرآنية كاملة، وتطلب من محمد (ص) وأتباعه اتّباع نموذج إبراهيم (ع): (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ.. شَاكِرًا لِّأَنْعُمِهِ.. اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ.. وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ.. ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)
5. أن البشرية ستشهد اختلافا كثيرا حول رؤية العالم، ونزاعا بين الملتزمين بالرؤية القرآنية، والرافضين لها.. وأن الحل في ذلك بالحوار وليس بالحرب والصراع: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ).. وتبيّن أن هذا الاختلاف ستشوبه كثير من الانفعالات والمشاحنات النفسية التي قد تؤدي لتبادل العنف والعدوان.. وأن من المنطقي أن نعامل المعتدي بالمثل.. ولكن الصبر أفضل، لأهمية ضبط المشاعر ومقاومة الانفعالات، وكبح النزعة نحو العنف: (وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ).
6. تدعو المؤمن للالتزام باستحضار القرآن الكريم في حياته اليومية، لأنه الكتاب الذي يلخص له الرؤية السليمة للكون والعالم والحياة، ويساعده على تحسس الحلول الحقيقية لمشاكله وقضاياه، ويحميه من الانحرافات المحتملة عن الطريق.. وتخبره بأنه سيتعرض للوساوس التي تشككه في صدقية ووثاقة القرآن، وتشككه في صلاحيته للزمن ومتغيرات الواقع، وتوهمه بعجز القرآن عن الإجابة عن التعقيدات الجديدة للحياة في كل عصر وكل بلد كل مجتمع: (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ.. إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ).
السورة إذن تشكّل خلاصة كاملة لرؤية العالم الإسلامية.. بل وخلاصة أيضا للقرآن الكريم ذاته. وقد أتت في أسلوب فني بليغ وعميق في غير تعقيد، يفهمه الإنسان أيا كان عصره وزمانه وبيئته ومعرفته..

6. الحياة الطيبة في سورة النحل

نتوقف عند مفهوم "الحياة الطيبة".. يقول الله تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ).. هذه الآية تقرر جملة من القواعد:
1. أولها: أن البشرية تتكون من جنسين (ذكر وأنثى)،
2. أن هذين الجنسين متساويان في قاعدة العمل والجزاء، وفي صلتهما بالله، وفي جزائهما عند الله.
3. وبالتالي فإن هذه المساواة في قاعدة العمل والأجر تقتضي التعاون بين الرجل والمرأة.. ولا يمكنها أن تؤدي لمجتمع أبوي/ذكوري.
4. وأن المطلوب في الحياة هو أداء الدور والوظيفة بالشكل السليم (العمل الصالح)، من أجل البناء والإصلاح، وليس من أجل التدمير والإفساد..
5. وأن هذا العمل الصالح وأداء الدور في الحياة يكفل، لمن يقوم به وللمجتمع، حياةً طيبة في هذه الأرض
6. وأن الحياة الطيبة في الدنيا لا تنقص من الأجر الحسن في الآخرة.

7. ماذا يقول علم النفس؟

علم النفس يهدف لتفسير آليات الطبيعة الإنسانية، وتشكّل الشخصية، ودراسة السلوك الإنساني، والعوامل التي تجعله يختار طريقةً دون غيرها في مواجهة مشاكله الاجتماعية والثقافية. ويوجد اتجاهان رئيسيان في التحليل النفسي:
1. المدرسة الكلاسيكية (فرويد)، والتي تفسّر السلوك البشري بمفاهيم الغرائز، واللاشعور، والعُقَد الجنسية، والحتمية البيولوجية. وتعتبر أن الإنسان كائن بيولوجي. ويؤكد على أهمية الحاجات البيولوجية. وأهمية الغرائز، والأهمية القصوى للجنس. وأن الإنفعالات لا يسيطر الفرد عليها. وأن الشخصية مكونة من الأنا الأعلى والأنا والهوَ والغرائز. وأن العُقَد الجنسية أمر مشترك بين جميع الأطفال.
2. المدرسة الحديثة (يونج، آدلر، إيريك فروم)، والتي تفسر السلوك البشري بالعوامل الثقافية والاجتماعية والتعليم، وتطوير الذات، وأنماط الشخصية. وتعتبر أن الإنسان كائن اجتماعي. وتؤكد على أهمية الحاجات الاجتماعية. وأهمية الميل إلى الانتماء إلى جماعة. وإمكانية ضبط الانفعالات والسيطرة عليها، والشخصية تخضع لأنماط أساسية.. والجنس أقل أهمية مما يتصوره فرويد، والعقد الجنسية استثناء وليس ظاهرة عامة..

وسنركز على مدرسة آدلر باعتبارها الأكثر انتشارا وتأثيرا في الخمسين سنة الأخيرة.. وتمثل الأساس النظري لكل النظريات المعاصرة حول القيادة، والتنمية البشرية وتحسين الأداء الفردي، وإدارة التغيير، والإدارة بالأهداف، وحل المشكلات في العلاقات الاجتماعية والزوجية، والبرمجة العصبية، إلخ.. ونعرض في البداية لـ"معنى الحياة" عند آدلر:

يرى آدلر أن الإنسان لا يستطيع أن يعيش إلا إذا عرف أن لحياته معنى.. وهذا المعنى محصّلة جهد معقّد ومتراكم، وهضم عقلي ونفسي وثقافي، تبدأ منذ الرضاعة. وكثيرا ما يتغير المعنى الذي نحمله عن بعض الحقائق من فرد لآخر، وحتى لدى الفرد نفسه من فترة عمرية لأخرى، نتيجةً لتغير الخبرات وتطورها وتنوعها، ونتيجة المراجعة الذاتية وتصويب الرؤية الذاتية وإصلاح السلوك الذاتي.
ويرى أن سؤال "ما معنى الحياة؟" سؤال قديم قِدَم الإنسان نفسه.. وكثيرون يتهربون من طرحه ولا يصدّعون رؤوسهم بسبب الاستغراق في هموم الحياة اليومية.. وينتبهون إليه فقط حين يمرون بأزمة أو بمكروه أو إحباطات وتجارب فاشلة، أو يعيشون موت أحد الأهل والأقارب والأصدقاء.

ويرى أن الحياة وضع اضطراري لا نختاره.. فنحن نولد دون اختيار فنجد أنفسنا في هذه الحياة.. ثم نجد أنفسنا نعيش تحت ثلاثة ظروف اضطرارية تشكّل معنى الحياة وتتسبب في كل المشاكل التي تواجهنا:
1. الظرف الأول: أننا نعيش على سطح كوكب صغير جدا، ومجبرون أن نعيش في حدود ما يوفره من موارد طبيعية محدودة، وأن نحاول تطوير هذه الموارد واستخدامها أحسن استخدام في حدود معارفنا، وأن نقوم بتطوير أجسامنا وعقولنا للاستمرار في الحياة على الأرض.
2. الظرف الثاني: أن الضعف المميز للفرد ومحدودية قدراته تجعل من المستحيل تحقيق أهدافه في الحياة بمفرده أو بمعزل عن الآخرين.. ولذلك فكل فرد عضو في جماعة البشر المحيطين به، ووجوده مرتبط بوجودهم.. وبالتالي فأعظم منحة يقدمها الإنسان لأخيه الإنسان هي منحة "الزمالة" (أو الأخوة). والحاجة لوجود الآخرين ليس فقط لإشباع الحاجات المادية وإنما أيضا لإشباع الحاجات المعنوية اللازمة لاستمرار الحياة..
3. الظرف الثالث: إن الجنس البشري يتكون من رجل وامرأة، وبقاء الجنس البشري واستمراره يعتمد على كليهما، ولا يمكن للرجل ولا للأنثى الاستمرار في الحياة دون الآخر.
من هنا، يستنتج آدلر أن المشكلات الثلاث في حياة الفرد هي: العمل (الوظيفة/الدور)، العلاقة مع باقي أفراد المجتمع، والزواج.. وأن الحل المشترك لهذه المشكلات هو "التعاون" وليس الصراع.. وكل فرد يحقق "الحياة الطيبة" بمقدار نجاحه في "التعاون"، ويبتعد عنها بمقدار فشله وقصوره في "التعاون".
ويرى أن الخبرة والمهارة الأساسية في التعاون تتشكل حسب الأدوات والظروف والخبرات المتاحة في 3 مراحل عمرية: الطفولة الأولى والمدرسة والمراهقة. ويمكن تهذيبها فقط بالتدريب..

أما المفاهيم الأساسية لنظرية لآدلر فتتلخص في ما يلي:
1. يرى آدلر أنه لا توجد حتميات بيولوجية، وإنما توجد غائية في حياة الفرد، تجعله يسعى بفاعلية لتحقيق غايات وأهداف لبلوغ التميز والكمال.
2. ويرى أن الفرد كائن اجتماعي بالفطرة.. وشخصيته وطبيعته الداخلية تتشكلان من خلال المعايير الأخلاقية والثقافية، بتأثير من من الروابط والعلاقات الاجتماعية. وأن طريقة تفكير الفرد ودوافعه السلوكية تتشكل بتأثير من ظروفه الاجتماعية والاقتصادية ومعتقدات الدينية والعلاقات الإنسانية التي تشكل مشاعر انتماءه للجماعة.
3. الإنسان لا يحتاج للاستقرار والهدوء، بقدر ما يحتاج للكفاح والتوتر الإيجابي وإنفاق الجهد والطاقة من أجل الأفضل.. والدافع الأساسي للتفوق والتنافس والكمال ليس الجنس (كما يقول فرويد)، وإنما مشاعر النقص والعجز هي التي تمثل الدافع في كل تقدُّمٍ وصلت بشري. وبالتالي، فأغلب المشاكل التي يتعرض لها الإنسان حين يبحث لنفسه دورا في المجتمع أو وظيفة أو عملا، فجذورها تعود بالأساس لكيفية إدارة مشاعر الضعف والنقص وتحويلها إلى حافز، وهذا يتحقق أساسا بتأثيرات الأسرة والمدرسة والميول الأولى.
4. الفرد يحتاج للحب والعاطفة. ولذلك فهو يكافح من أجلهما. وأغلب مشكلات الأسرة والزواج تعود إما للأخطاء في تعريف الحب ومقتضياته، أو الأخطاء في الربط بين مفاهيم الحب والتعاون والاهتمام الاجتماعي، أو نتيجة ما نستخلصه من تجربة آبائنا وتقييم علاقتهم الزوجية، أو لأخطاء فهم الدور الاجتماعي والنفسي للزواج، أو لقصورنا في امتلاك المهارات لحل المشاكل.
5. والفرد يحتاج أيضا للاهتمام الاجتماعي. ولا يستطيع الانفصال عن الالتزامات الاجتماعية.. والميولُ الاجتماعية تعويضٌ حقيقي يقوم به الفرد تجاه الآخرين بسبب ما يعانيه من ضعف ذاتي طبيعي. ولذلك فلديه استعداد للتضحية بطموحه الشخصي وأنانيته، وللعمل من أجل الصالح العام والمثل العليا تعويضا عن ضعفه.. وهذه النزعة الفطرية لا تظهر تلقائيا بل تحتاج للتوجيه والتدريب.
6. يوجد لكل لفرد مبدأ أساسي يحدّد أسلوب حياته ويفسّر خصوصيته وتميّزه عن بقية البشر.. وهذا المبدأ يتحدد في مرحلة الطفولة المبكّرة لأن مركز الفرد في الأسرة وترتيبه في الولادة يطبع نفسيته وأسلوب حياته. وكل المصاعب التي تعوق نموه تنشأ من شدة المنافسة وقلة التعاون في الأسرة..

وكما نرى، فإن أدوات علم النفس الفردي تلتقي كثيرا مع الإطار العام لمفهوم "الحياة الطيبة" في سورة النحل.

8. خاتمة: سبب تسمية سورة النحل

يقول تعالى "وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَىٰ ٱلنَّحْلِ أَنِ ٱتَّخِذِى مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ ٱلشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ.. ثُمَّ كُلِى مِن كُلّ ٱلثَّمَرٰتِ.. فَٱسْلُكِى سُبُلَ رَبّكِ ذُلُلاً.. يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ.. فِيهِ شِفَآء لِلنَّاسِ".
ربما هي دعوة للانتباه لنمط حياة النحل وتنظيم مملكته القائم على التعاون والتكامل وعدم النظاع والخصومة من إخراج أفضل ما فيه، أي العسل.
وربما هي إشارة أيضا بقوله تعالى "وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَىٰ ٱلنَّحْلِ"، إلى أن الغائية في الحياة هي نوع آخر من الوحي، مثلما نرى الغائية في حياة النحل. فهي تشير إلى اتباع النحل لإرشادات إلهية فطرية لتنفيذ ما كلفت به بدقة "ٱتَّخِذِي.. كُلِي.. فَٱسْلُكِي."

محمد بن جماعة