هذه بعض التأملات السريعة حول عقد وضع شروطَه رسول الله (ص) ، ووعد من يلتزم بهذه الشروط أن يدخل الجنة يوم القيامة.
فقد أخرج ابن حبان في صحيحه عن عبادة بن الصامت أن رسول الله (ص) قال: "اضْمَنُوا لِي سِتًّا أَضْمَنْ لَكُمُ الْجَنَّةَ: 1- اصْدُقُوا إِذَا حَدَّثْتُمْ، 2- وَأَوْفُوا إِذَا وَعَدْتُمْ، 3- وَأَدُّوا إِذَا اؤْتِمُنْتُمْ، 4- وَاحْفَظُوا فُرُوجَكُمْ، 5- وَغُضُّوا أَبْصَارَكُمْ، 6- وَكُفُّوا أَيْدِيَكُمْ".
1- رسالة الإسلام أخلاقية بالأساس
كل من يقرأ القرآن الكريم وسنة النبي (ص) وسيرته يدرك أن تكاليف الإسلام تكاليف أخلاقية، بمعنى أن الإسلام يعوّل على السلوك الإنساني ليضبطه على مقتضى العدل والكرامة والحق والأمانة وغير ذلك من القيم الأخلاقية الإيجابية.
فرسالة الإسلام إذن رسالة عنوانها الأكبر: هو تزكية النفس على أساس التوحيد، أي إصلاح النفس وتطويرها وتنمية قدراتها، أو بمعنى آخر تهذيب السلوك الفردي، وتطوير القدرات الذاتية، من أجل عمران الأرض.
ولذلك فقد لخص النبي (ص) الغاية من بعثته المباركة إلى الناس كافة في عبارة واحدة: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق". ففي الحديث عند مالك في الموطأ، وأحمد في المسند، وغيرهما:"إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الأَخْلاَقِ"، وفي رواية أخرى عند البيهقي في السنن الكبرى: "إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الأَخْلاَقِ".
ينبه النبي (ص)، في الحديث الذي نحن بصدده، إلى أن الجنة ليس لها من سبيل سوى الخلق الكريم، وأن هناك ستة شروط أو بنود كفيلة لمن يلتزم بها أن يضمن الجنة، وهذه الستة هي: الصدق، والوفاء بالعهد، والأمانة، واحترام آداب العلاقة بين النساء والرجال، وعدم العدوان على الآخرين.
حين نتأمل ونبحث عن القاسم المشترك أو العلاقة بين هذه البنود الستة (الصدق والوفاء بالعهد والأمانة وحماية العلاقة بين الرجل والمرأة، وعدم إيذاء الآخرين)، يتبين لنا أنه يرسم معالم المجتمع المسلم الذي تتم فيه حماية كرامة الإنسان من كل تعدّ وكل تجنّ من الآخرين، حتى لو كان قلبيا ساكنا، أو بصرا ممدودا، أو لسانا سلاحه الكلمة، أو عملا ميدانيا تزاوله اليد.
وهذا أمر عجيب، لأن النبي (ص) كأنه ينبه إلى أمرين هامين:
- أولهما أن الفوز بالجنة مرتهن بمدى نجاحنا في شبكة علاقتنا الاجتماعية في الحياة الدنيا.
- وثانيهما: أن ما يوصل إلى السعادة في الحياة الدنيا هو نفسه الذي يؤدي أيضا إلى السعادة في الآخرة.
وقد لخص النبي (ص) الشروط التي تضمن السعادة في الدارين في البنود المذكورة في هذا الحديث: الصدق، والأمانة، والوفاء بالعهود والعقود، وحفظ العلاقة بين الرجل والمرأة، واجتناب إذاية الآخرين.
رسالة الإسلام إذن رسالة أخلاقية: "إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق". وهي نفس الرسالة التي بعث سائر الأنبياء، فكل رسالات الأنبياء تمحورت حول هذا النظام الأخلاقي في حياة الناس، لأنه عندما تنتظم حياة الناس في نظام أخلاقي يحترم فيه الإنسان الإنسان، ويرحم فيه الإنسان الإنسان، ويعمل على أن يعيش من أجل أن يسرّ الناس ويقضي حاجاتهم ويتحمّل مسؤولياتهم، وهذا كله هو الذي يبني الحياة.
ولننظر معا إلى بعض الأحاديث التي تركز على قيمة حسن الخلق. فقد قال (ص): "مَا مِنْ شَيْءٍ أَثْقَلُ فِي مِيزَانِ الْعَبْدِ الْمُؤْمِنِ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ حُسْنِ الْخُلُقِ، وَإِنَّ اللَّهَ يَبْغَضُ الْفَاحِشَ البَذِيءَ ". رواه الترمذي عن أبي الدرداء.
ولما سئل (ص) عن أكثر ما يدخل الناس الجنة قال: " تَقْوَى اللَّهِ وَحُسْنُ الْخُلُقِ ". ولما سئل عن أكثر ما يدخل الناس النار قال: " الفَمُ وَالفَرْجُ " رواه الترمذي عن أبي هريرة.
وقال (ص): " أَنَا زَعِيمٌ (أي ضامن) لِبَيْتٍ فِي أَعْلَى الْجَنَّةِ لِمَنْ حَسَّنَ خُلُقَهُ " رواه أبو داود عن أبي أمامة الباهلي.
وعنه(ص): "أَلاَ أُنَبِّئُكُمْ بِخِيَارِكُمْ؟"، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: "أَحَاسِنُكُمْ أَخْلاَقاً، الْمُوَطَّئُونَ أَكْنَافاً (أي المتواضعون) الَّذِينَ يَأْلَفُونَ وَيُؤْلَفُونَ (أي الذين يمتلكون سهولة في تكوين الصداقات والعلاقات الاجتماعية، ويرغب الآخرون في مصادقتهم والتعايش معهم)".
وقال الفضيل بن عياض :" لَأَنْ يَصْحَبَنِي فَاجِرٌ حَسَنُ الْخُلُقِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَصْحَبَنِي عَابِدٌ سَيِّءُ الْخُلُقِ".
وحسن الخلق يرفع صاحبه في الدنيا ويرزقه محبة الناس واحترامهم، ويرفع درجته في الآخرة ويثقل ميزان عمله الصالح، كما جاء في رواية صححها الألباني: "مَا مِنْ شَيْءٍ يُوضَعُ فِي الْمِيزَانِ أَثْقَلُ مِنْ حُسْنِ الْخُلُقِ، وَإِنَّ صَاحِبَ حُسْنِ الْخُلُقِ لَيَبْلُغُ بِهِ دَرَجَةَ صَاحِبِ الصَّوْمِ وَالصَّلاَةِ (أي الذي يكثر من نوافل الصوم والصلاة)".
2- تعريف حسن الخلق
لقد لخص بعض الصحابة والتابعين والعلماء حسن الخلق في كلمات. فقال علي بن أبي طالب: "حسن الخلق في ثلاث خصال: اجتناب المحارم وطلب الحلال والتوسعة على العيال". وقال عبد الله بن المبارك: "هو بسط الوجه وبذل المعروف وكف الأذى". وقال أحمد بن حنبل: "حسن الخلق ألا تغضب ولا تحقد". وقال الإمام سفيان بن عيينة: "والبشاشة مصيدة المودة، والبر شيء هين: وجه طليق وكلام لين".
3- قيمة الأخلاق في عالم ملي بالحقد والعداوة والبغضاء
من الضروري أن نولي موضوع حسن الخلق جانبا كبيرا من اهتمامنا، نحن مسلمين، خصوصا ونحن نعيش في عالم مليء بالحقد والعداوة والبغضاء من حولنا. ولذلك فعلينا أن ننطلق من خلال القيمة الأساسية للإسلام، التي هي مكارم الأخلاق، لتسري فيما بيننا المحبة والرحمة والتكافل والتواصل والتضامن في كلّ قضايانا العامة والخاصة، سواء اختلفنا في المذاهب الإسلامية أو في الانتماءات أو الجنسيات، لأن الإسلام يريد منا أن نبني مجتمعاً يتحرك فيه الإنسان على أساس العدل والسلام، وقد اختصر الله تعالى طريق النجاح، فقال سبحانه: {وَالْعَصْرِ، إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ، إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [سورة العصر].
هذا هو الخطّ الذي يجب أن نأخذ به في أنفسنا وأهلنا ومجتمعنا والناس من حولنا، وبذلك نقتدي برسول الله(ص) الذي هو أسوتنا وقدوتنا.
4- من دعاء النبي (ص)
كان من دعاء النبي (ص) فيما رواه رواه مسلم عن علي بن أبي طالب أن يقول: "اللَّهُمَّ اهْدِنِي لِأَحْسَنِ الأَخْلاَقِ، لاَ يَهْدِي لَأَحْسَنِهَا إِلاَّ أَنْتَ، وَاصْرِفْ عَنِّي سَيِّئَهَا، لاَ يَصْرِفُ عَنِّي سَيِّئَهَا إِلاَّ أَنْتَ"..
ومن دعائه أيضا فيما رواه أحمد: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ صِحَّةَ إِيمَانٍ، وَإِيمَانًا فِي خُلُقٍ حَسَنٍ، وَنَجَاحًا يَتْبَعُهُ فَلاَحُ، وَرَحْمَةً مِنْكَ وَعَافِيَةً، وَمَغْفِرَةً مِنْكَ وَرِضْوَانًا".
2011/04/24
2011/04/22
درس في الحياة
كل واحد بإمكانه أن يسقط في الحياة..
ولكن السقوط ليس هو المهم في حد ذاته، بل المهم هو كيف ستتعامل مع سقوطك:
هل ستعتبره نهاية المطاف في حياتك؟ أم ستعتبره مجرد عثرة بإمكانك النهوض بعدها؟
مثال: Nick Vujicic
رجل بلا يدين ولا رجلين
القرآن في رسائل دوستويفسكي قبل الحكم عليه بالإعدام.. وبعده
الجانب الظاهر من حياة المفكرين قد يؤدي إلى الحكم عليهم بالإلحاد والكفر.. غير أننا عند التعرف على بعض الجوانب الخفية منها، قد نفاجأ بتغير عجيب يجذبهم إلى دائرة الإيمان.. ولعل دوستويفسكي من هؤلاء..
عند مطالعة المقال التالي، تذكرت حديثا نبويا قد ينطبق عليه إن صح ما نقل عنه: (يعمل أحدكم بعمل أهل الجنة فلا يكون بينه وبينها قيد شبر فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها.. ويعمل أحدكم بعمل أهل النار فلا يكون بينه وبينها قيد شبر فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها)..
========
ملاحظة: احتفظت بهذه المقالة في أرشيفي منذ نشرها في جريدة الشرق الأوسط في سبتمبر 2007
غير أني بالعودة للرابط المذكور لم أجده في الموقع الجديد للجريدة
==============
رسائل دوستويفسكي قبل الحكم عليه بالإعدام.. وبعده
مراسلات صاحب «الجريمة والعقاب» كاملة باللغة الفرنسية
هاشم صالح
المصدر: جريدة الشرق الأوسط
صدرت مؤخرا في العاصمة الفرنسية مراسلات دوستويفسكي الكاملة. وقدم للترجمة الفرنسية البروفيسور جاك كاتو احد المختصين الفرنسيين بالكاتب الروسي الشهير. وشغلت هذه المراسلات التي تنشر لأول مرة في اللغة الفرنسية معظم الملاحق الثقافية للجرائد الكبرى، وبخاصة جريدة «اللوموند».
قبل ان اتطرق لهذه الرسائل احب ان اتوقف قليلا عند المقدمة المطولة والمهمة التي كتبها الاستاذ المذكور. ففي رأيه ان دوستويفسكي هو اقوى شخصية ادبية شهدها العصر الذهبي للآداب الروسية: اي القرن التاسع عشر. صحيح ان تولستوي يمكن ان يضاهيه او يرتفع الى قامته في بعض الاحيان، ولكن ما أشد الفرق بينهما! فتولستوي كان يصالح الانسان مع الكون حتى في اصعب الظروف، حتى في زمن العواصف والأعاصير. تولستوي كان يخلق اضاءات تفاؤلية من حين الى آخر ولا يترك الانسان وحيدا امام قدره ومصيره. واما دوستويفسكي فكان يفكك الانسان ويركبه على هواه، ويتركه احيانا كثيرة عرضة للرعب واليأس والمواقف الحدية المتطرفة. ولذلك كثرت في رواياته الشخصيات الاشكالية كالمجانين، والسكّيرين، والقتلة، والمجرمين، والعدميين اليائسين.. دوستويفسكي كان (ولا يزال) يقلق ويزعج كل من لا يمتلك القدرة على متابعته. دوستويفسكي يدوخ قارئه حرفيا. ولذلك يتحاشاه البعض خوفا منه. ولكن قلما حلق روائي عاليا، او قلما انخفض عميقا حتى وصل الى المناطق السحيقة والمظلمة للشخصية البشرية مثله.
سوف أتوقف فقط عند الرسائل التي كتبها قبل الحكم عليه بالاعدام وبعده. فمن المعلوم ان ذلك الحدث الذي نادرا ان يتعرض له شخص ويخرج منه سالماً قد أثر عليه كثيرا. ولا يمكن ان نفهم شخصيته الا اذا اخذناه بعين الاعتبار بالاضافة الى تجربة المنفى التي تلته في سيبيريا وامضاء اربع سنوات في سجن الاشغال الشاقة ضمن ظروف مرعبة تفوق طاقة البشر.
معظم الرسائل التي كتبها كانت موجهة الى أخيه الاكبر ميخائيل دوستويفسكي. وكانت تربط بينهما علاقة وثيقة قل ان تنعقد بين اخوين. نستمع اليه يتحدث عن لحظة الحكم عليه بالاعدام وكيف عاشها وذلك قبيل السفر الى «بيت الموتى» في سيبيريا بعدئذ سوف انتقل للاستشهاد وبمقاطع من اول رسالة كتبها بعد خروجه من السجن. وهكذا اكون قد تعرفت على حالته النفسية قبيل المحنة وبعدها مباشرة.
* من قلعة بطرس وبولس (اي سجن الباستيل القيصري الشهير)
تاريخ: 22 ديسمبر 1849
أخي يا صديقي العزيز! لقد حُسم مصيري! لقد أدانوني بأربع سنوات من الاشغال الشاقة في سجن سيبيريا. وبعد الخروج من السجن سوف اصبح مجندا محروما من الحقوق المدنية بما فيها حق الكتابة لمدة ست سنوات.. سوف اروي لك القصة من أولها. لقد نقلونا الى الساحة العامة لسجن القلعة. وهناك قرأوا علينا حكم الاعدام. ثم أمرونا بتقبيل الصليب
وكسروا سيوفنا فوق رؤوسنا باعتبار اننا انتهينا. وبعدئذ اغتسلت غسلة الموتى، ثم ألبسونا الاكفان يا أخي. وصفّونا ثلاثة، ثلاثة على الجدار تمهيدا لرمينا بالرصاص. كان ترتيبي السادس، وكنت انتمي الى الوجبة الثانية التي سينفذ فيها حكم الاعدام. ولم تبق لي الا دقيقة واحدة لكي أعيش. في تلك اللحظة فكرت فيك يا اخي، في اللحظة القصوى التي لا تتجاوز الثواني كنت انت وحدك في خيالي. وعندئذ عرفت الى اي مدى أحبك يا أخي الحبيب.
ولكني في آخر ثانية قبيل التنفيذ دُقت الطبول وأعلنوا عن العفو الملكي الذي وهبنا الحياة من جديد!.. هل تستطيع ان تتصور تلك اللحظة؟ من يستطيع ان يتصورها؟ ولكن على الرغم من كل ما حصل لي فلم أفقد الشجاعة ولا الأمل. الحياة في كل مكان هي الحياة. الحياة موجودة في داخلنا وليس في العالم الخارجي.
لا تبكِ عليّ يا أخي، ارجوك لا تبكِ.. قَبّل زوجتك واطفالك وتحدث لهم عني لكيلا ينسوني. فربما التقينا يوما ما.. لم اشعر في اي يوم من الايام بمثل هذا الفنى الروحي الذي يغلي في داخلي كالمرجل. ولكن هل سيصمد جسدي على المحنة؟ هذا هو السؤال. اني ارحل وانا مريض. ولكن لا بأس، خلها على الله... لا تخف يا أخي. فقد تحملت كثيرا من المصائب في حياتي، ولم يعد هناك أي شيء يخيفني. ليكن ما يكون.. في أقرب فرصة سوف أعطيك من أخباري.
هل من المعقول الا أكتب شيئا بعد الآن؟ هل يمكن ان تنتهي حياتي الأدبية وانا لا أزال في بداية البدايات؟ آه يا أخي! كم من الصور المعاشة والافكار سوف تموت في رأسي، سوف تتبخر الى غير رجعة اذا ما حصل ذلك. نعم اني سوف أموت اذا ما مُنعت من الكتابة. اكتب لي يا أخي كثيرا. اكتب حتى عن الاشياء التافهة، وبخاصة الاشياء التافهة، العادية، اليومية. فأنا سأكون في المنفى بعيدا عن الحياة. مفصولا عن الحياة.
ولكن بحق السماء لا تبك. لا تبك عليّ يا أخي لا تبك.. اعلم اني لم افقد الشجاعة ولم يتخل عني الأمل حتى في أحلك اللحظات قبل لحظة الاعدام بقليل كنت أعلم ان خبر اعدامي سوف يقتلك في أرضك.. ولكن الآن تجاوزت هذه النقطة، ولم يعد هناك من خوف. اني أولد من جديد. لا يعرف معنى الحياة الا من فقدها أو أوشك على فقدانها. ما ان أعود الى الماضي حتى افكر بكل الوقت الضائع سدى. افكر بلحظات البطالة والعطالة والضلالات والفرص التي راحت.. كم اخطأت بحق نفسي وروحي.. عندما افكر بكل ذلك اشعر بنزيف دام في قلبي. الحياة عطية، الحياة هدية ثمينة جدا ولا نعرف قيمتها الا عندما نفقدها أو تصبح مهددة فعلا. الحياة سعادة. في كل دقيقة يوجد قرن من السعادات.. آه من طيش الشباب! والآن اذ اغير حياتي اشعر وكأني أولد بصيغة أخرى».
* الرسالة الثانية بعد الخروج من بيت الموتى
(1854)
من يستطيع أن يتخيل فرحة دوستويفسكي وهو يخرج من سجن الاشغال الشاقة ويغادر سيبيريا الى غير رجعة؟ من يعرف كيف تنفس الصعداء وشمّ نسيم الحرية لأول مرة؟ بعد اربع سنوات من العذاب والاشغال الشاقة اليومية وتقييد رجليه بالاغلال والسلاسل يخرج دوستويفسكي من تحت الانقاض وكأنه ميت يبعث من القبر. لقد شاهد كثيرا دوستويفسكي واحترق كثيرا، وسوف ينتج عن ذلك شيء لا يمكن تصوره بعد ان تعتمل الاشياء في الداخل وتتفاعل. سوف تنتج الروايات العبقرية.
وسوف يصبح واحدا من أهم الكتاب على مر العصور. لنستمع اليه يقول الى اخيه ميخائيل في أول رسالة يكتبها بعد تحريره:
«سوف نلتقي يا اخي قريبا. أشعر بأن روحي شفافة ورائقة في هذه اللحظة. المستقبل لي المستقبل كله لي وارى منذ الآن ما سأفعله، كما لو انه تحقق الآن أمامي. أنا راض عن حياتي. ليس هناك الا شيء واحد أخشاه: البشر والاعتباط.. ولكن البشر في كل مكان هم البشر. حتى في سجن الاشغال الشاقة وجدت بشرا بين المجرمين والقتلة واللصوص. نعم بعد اربع سنوات من العيش معهم اكتشفت ان بصيص الانسانية لم يمت في داخلهم. وقد احبوني وبكوا عندما افترقنا الى غير رجعة. لقد تعرفت على روسيا في السجن. وبالاخص على الشعب الروسي. وأزعم اني اعرفهما الآن أكثر من أي شخص آخر».
ثم نلاحظ انه يطلب منه بعض الكتب لأنه سوف يظل بعيدا أو مبعدا لفترة اضافية أخرى كمجرد جندي في الجيش. وهو موجود في مناطق نائية لا كتب فيها ولا مكتبات وسوف نفاجأ بنوعية الكتب التي يطلبها، وبخاصة الكتاب الأول:
«أرجوك ان ترسل لي القرآن، ونقد العقل الخالص لكانط، وارسل لي بدون اي تردد هيغل وبخاصة كتابه عن تاريخ الفلسفة.. كل مستقبلي يتوقف على هذا الكتاب...»
هكذا نلاحظ ان قراءات دوستويفسكي لم تكن تقتصر على الرواية فقط وانما كانت تتعداها الى الدين والفكر والفلسفة.
والواقع انه كان دائما شديد الاهتمام بالكتاب المقدس للاسلام. وله عنده مكانة خاصة واحترام كبير. والدليل على ذلك انه ذكره اكثر من مرة في كتبه وبخاصة في روايته الشهيرة: الممسوسون. وكان قد ذكر القرآن كأحد مصادر التأثير الثقافية على شاعر روسيا الاكبر: بوشكين. وقد ورد ذلك في خطابه الشهير بمناسبة الاحتفال بذكراه في موسكو. يضاف الى ذلك ان دوستويفسكي كان يمتلك نسخة من القرآن الكريم في مكتبته الخاصة. وكانت بالفرنسية التي يتقنها. وهذا شيء مؤكد من مصادر موثوقة. اذا علمنا مدى ارتباط الكاتب الكبير بالانجيل والعقيدة المسيحية في مذهبها الارثوذكسي فاننا لا نملك الا ان نبدي اعجابنا بهذا الانفتاح الروحي الرائع على الكتاب المقدس لدين آخر منافس تاريخيا للمسيحية. وهذا دليل على ان ايمان الكتّاب الكبار ليس ضيقا ولا متعصبا على عكس الناس المنغلقين.
عند مطالعة المقال التالي، تذكرت حديثا نبويا قد ينطبق عليه إن صح ما نقل عنه: (يعمل أحدكم بعمل أهل الجنة فلا يكون بينه وبينها قيد شبر فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها.. ويعمل أحدكم بعمل أهل النار فلا يكون بينه وبينها قيد شبر فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها)..
========
ملاحظة: احتفظت بهذه المقالة في أرشيفي منذ نشرها في جريدة الشرق الأوسط في سبتمبر 2007
غير أني بالعودة للرابط المذكور لم أجده في الموقع الجديد للجريدة
==============
رسائل دوستويفسكي قبل الحكم عليه بالإعدام.. وبعده
مراسلات صاحب «الجريمة والعقاب» كاملة باللغة الفرنسية
هاشم صالح
المصدر: جريدة الشرق الأوسط
صدرت مؤخرا في العاصمة الفرنسية مراسلات دوستويفسكي الكاملة. وقدم للترجمة الفرنسية البروفيسور جاك كاتو احد المختصين الفرنسيين بالكاتب الروسي الشهير. وشغلت هذه المراسلات التي تنشر لأول مرة في اللغة الفرنسية معظم الملاحق الثقافية للجرائد الكبرى، وبخاصة جريدة «اللوموند».
قبل ان اتطرق لهذه الرسائل احب ان اتوقف قليلا عند المقدمة المطولة والمهمة التي كتبها الاستاذ المذكور. ففي رأيه ان دوستويفسكي هو اقوى شخصية ادبية شهدها العصر الذهبي للآداب الروسية: اي القرن التاسع عشر. صحيح ان تولستوي يمكن ان يضاهيه او يرتفع الى قامته في بعض الاحيان، ولكن ما أشد الفرق بينهما! فتولستوي كان يصالح الانسان مع الكون حتى في اصعب الظروف، حتى في زمن العواصف والأعاصير. تولستوي كان يخلق اضاءات تفاؤلية من حين الى آخر ولا يترك الانسان وحيدا امام قدره ومصيره. واما دوستويفسكي فكان يفكك الانسان ويركبه على هواه، ويتركه احيانا كثيرة عرضة للرعب واليأس والمواقف الحدية المتطرفة. ولذلك كثرت في رواياته الشخصيات الاشكالية كالمجانين، والسكّيرين، والقتلة، والمجرمين، والعدميين اليائسين.. دوستويفسكي كان (ولا يزال) يقلق ويزعج كل من لا يمتلك القدرة على متابعته. دوستويفسكي يدوخ قارئه حرفيا. ولذلك يتحاشاه البعض خوفا منه. ولكن قلما حلق روائي عاليا، او قلما انخفض عميقا حتى وصل الى المناطق السحيقة والمظلمة للشخصية البشرية مثله.
سوف أتوقف فقط عند الرسائل التي كتبها قبل الحكم عليه بالاعدام وبعده. فمن المعلوم ان ذلك الحدث الذي نادرا ان يتعرض له شخص ويخرج منه سالماً قد أثر عليه كثيرا. ولا يمكن ان نفهم شخصيته الا اذا اخذناه بعين الاعتبار بالاضافة الى تجربة المنفى التي تلته في سيبيريا وامضاء اربع سنوات في سجن الاشغال الشاقة ضمن ظروف مرعبة تفوق طاقة البشر.
معظم الرسائل التي كتبها كانت موجهة الى أخيه الاكبر ميخائيل دوستويفسكي. وكانت تربط بينهما علاقة وثيقة قل ان تنعقد بين اخوين. نستمع اليه يتحدث عن لحظة الحكم عليه بالاعدام وكيف عاشها وذلك قبيل السفر الى «بيت الموتى» في سيبيريا بعدئذ سوف انتقل للاستشهاد وبمقاطع من اول رسالة كتبها بعد خروجه من السجن. وهكذا اكون قد تعرفت على حالته النفسية قبيل المحنة وبعدها مباشرة.
* من قلعة بطرس وبولس (اي سجن الباستيل القيصري الشهير)
تاريخ: 22 ديسمبر 1849
أخي يا صديقي العزيز! لقد حُسم مصيري! لقد أدانوني بأربع سنوات من الاشغال الشاقة في سجن سيبيريا. وبعد الخروج من السجن سوف اصبح مجندا محروما من الحقوق المدنية بما فيها حق الكتابة لمدة ست سنوات.. سوف اروي لك القصة من أولها. لقد نقلونا الى الساحة العامة لسجن القلعة. وهناك قرأوا علينا حكم الاعدام. ثم أمرونا بتقبيل الصليب
وكسروا سيوفنا فوق رؤوسنا باعتبار اننا انتهينا. وبعدئذ اغتسلت غسلة الموتى، ثم ألبسونا الاكفان يا أخي. وصفّونا ثلاثة، ثلاثة على الجدار تمهيدا لرمينا بالرصاص. كان ترتيبي السادس، وكنت انتمي الى الوجبة الثانية التي سينفذ فيها حكم الاعدام. ولم تبق لي الا دقيقة واحدة لكي أعيش. في تلك اللحظة فكرت فيك يا اخي، في اللحظة القصوى التي لا تتجاوز الثواني كنت انت وحدك في خيالي. وعندئذ عرفت الى اي مدى أحبك يا أخي الحبيب.
ولكني في آخر ثانية قبيل التنفيذ دُقت الطبول وأعلنوا عن العفو الملكي الذي وهبنا الحياة من جديد!.. هل تستطيع ان تتصور تلك اللحظة؟ من يستطيع ان يتصورها؟ ولكن على الرغم من كل ما حصل لي فلم أفقد الشجاعة ولا الأمل. الحياة في كل مكان هي الحياة. الحياة موجودة في داخلنا وليس في العالم الخارجي.
لا تبكِ عليّ يا أخي، ارجوك لا تبكِ.. قَبّل زوجتك واطفالك وتحدث لهم عني لكيلا ينسوني. فربما التقينا يوما ما.. لم اشعر في اي يوم من الايام بمثل هذا الفنى الروحي الذي يغلي في داخلي كالمرجل. ولكن هل سيصمد جسدي على المحنة؟ هذا هو السؤال. اني ارحل وانا مريض. ولكن لا بأس، خلها على الله... لا تخف يا أخي. فقد تحملت كثيرا من المصائب في حياتي، ولم يعد هناك أي شيء يخيفني. ليكن ما يكون.. في أقرب فرصة سوف أعطيك من أخباري.
هل من المعقول الا أكتب شيئا بعد الآن؟ هل يمكن ان تنتهي حياتي الأدبية وانا لا أزال في بداية البدايات؟ آه يا أخي! كم من الصور المعاشة والافكار سوف تموت في رأسي، سوف تتبخر الى غير رجعة اذا ما حصل ذلك. نعم اني سوف أموت اذا ما مُنعت من الكتابة. اكتب لي يا أخي كثيرا. اكتب حتى عن الاشياء التافهة، وبخاصة الاشياء التافهة، العادية، اليومية. فأنا سأكون في المنفى بعيدا عن الحياة. مفصولا عن الحياة.
ولكن بحق السماء لا تبك. لا تبك عليّ يا أخي لا تبك.. اعلم اني لم افقد الشجاعة ولم يتخل عني الأمل حتى في أحلك اللحظات قبل لحظة الاعدام بقليل كنت أعلم ان خبر اعدامي سوف يقتلك في أرضك.. ولكن الآن تجاوزت هذه النقطة، ولم يعد هناك من خوف. اني أولد من جديد. لا يعرف معنى الحياة الا من فقدها أو أوشك على فقدانها. ما ان أعود الى الماضي حتى افكر بكل الوقت الضائع سدى. افكر بلحظات البطالة والعطالة والضلالات والفرص التي راحت.. كم اخطأت بحق نفسي وروحي.. عندما افكر بكل ذلك اشعر بنزيف دام في قلبي. الحياة عطية، الحياة هدية ثمينة جدا ولا نعرف قيمتها الا عندما نفقدها أو تصبح مهددة فعلا. الحياة سعادة. في كل دقيقة يوجد قرن من السعادات.. آه من طيش الشباب! والآن اذ اغير حياتي اشعر وكأني أولد بصيغة أخرى».
* الرسالة الثانية بعد الخروج من بيت الموتى
(1854)
من يستطيع أن يتخيل فرحة دوستويفسكي وهو يخرج من سجن الاشغال الشاقة ويغادر سيبيريا الى غير رجعة؟ من يعرف كيف تنفس الصعداء وشمّ نسيم الحرية لأول مرة؟ بعد اربع سنوات من العذاب والاشغال الشاقة اليومية وتقييد رجليه بالاغلال والسلاسل يخرج دوستويفسكي من تحت الانقاض وكأنه ميت يبعث من القبر. لقد شاهد كثيرا دوستويفسكي واحترق كثيرا، وسوف ينتج عن ذلك شيء لا يمكن تصوره بعد ان تعتمل الاشياء في الداخل وتتفاعل. سوف تنتج الروايات العبقرية.
وسوف يصبح واحدا من أهم الكتاب على مر العصور. لنستمع اليه يقول الى اخيه ميخائيل في أول رسالة يكتبها بعد تحريره:
«سوف نلتقي يا اخي قريبا. أشعر بأن روحي شفافة ورائقة في هذه اللحظة. المستقبل لي المستقبل كله لي وارى منذ الآن ما سأفعله، كما لو انه تحقق الآن أمامي. أنا راض عن حياتي. ليس هناك الا شيء واحد أخشاه: البشر والاعتباط.. ولكن البشر في كل مكان هم البشر. حتى في سجن الاشغال الشاقة وجدت بشرا بين المجرمين والقتلة واللصوص. نعم بعد اربع سنوات من العيش معهم اكتشفت ان بصيص الانسانية لم يمت في داخلهم. وقد احبوني وبكوا عندما افترقنا الى غير رجعة. لقد تعرفت على روسيا في السجن. وبالاخص على الشعب الروسي. وأزعم اني اعرفهما الآن أكثر من أي شخص آخر».
ثم نلاحظ انه يطلب منه بعض الكتب لأنه سوف يظل بعيدا أو مبعدا لفترة اضافية أخرى كمجرد جندي في الجيش. وهو موجود في مناطق نائية لا كتب فيها ولا مكتبات وسوف نفاجأ بنوعية الكتب التي يطلبها، وبخاصة الكتاب الأول:
«أرجوك ان ترسل لي القرآن، ونقد العقل الخالص لكانط، وارسل لي بدون اي تردد هيغل وبخاصة كتابه عن تاريخ الفلسفة.. كل مستقبلي يتوقف على هذا الكتاب...»
هكذا نلاحظ ان قراءات دوستويفسكي لم تكن تقتصر على الرواية فقط وانما كانت تتعداها الى الدين والفكر والفلسفة.
والواقع انه كان دائما شديد الاهتمام بالكتاب المقدس للاسلام. وله عنده مكانة خاصة واحترام كبير. والدليل على ذلك انه ذكره اكثر من مرة في كتبه وبخاصة في روايته الشهيرة: الممسوسون. وكان قد ذكر القرآن كأحد مصادر التأثير الثقافية على شاعر روسيا الاكبر: بوشكين. وقد ورد ذلك في خطابه الشهير بمناسبة الاحتفال بذكراه في موسكو. يضاف الى ذلك ان دوستويفسكي كان يمتلك نسخة من القرآن الكريم في مكتبته الخاصة. وكانت بالفرنسية التي يتقنها. وهذا شيء مؤكد من مصادر موثوقة. اذا علمنا مدى ارتباط الكاتب الكبير بالانجيل والعقيدة المسيحية في مذهبها الارثوذكسي فاننا لا نملك الا ان نبدي اعجابنا بهذا الانفتاح الروحي الرائع على الكتاب المقدس لدين آخر منافس تاريخيا للمسيحية. وهذا دليل على ان ايمان الكتّاب الكبار ليس ضيقا ولا متعصبا على عكس الناس المنغلقين.
2011/04/21
آداب النقد.. كي تصل إلى غايتك
1 ـ البينية :
ليكن نقدك لأخيك ، أو لأيّ إنسان آخر نقداً بينياً ، أي بينك وبينه ولا تنقده أمام الآخرين ، فحتى لو كان نقدك هادفاً وهادئاً وموضوعياً إلاّ أنّ النقد في حضور الآخرين ممّن لا علاقة لهم بالأمر قد يدفع الطرف الآخر إلى التشبّث برأيه ، أو الدفاع عن نفسه ولا نقول عن خطئه . ولذا جاء في الحديث : «مَنْ وعظ أخاه سرّاً فقد زانه ومَنْ وعظه علانية فقد شانه» .
2 ـ الإنصاف :
النقد هو حالة تقويم .. حالة وزن بالقسطاس المستقيم ، وكلّما كنت دقيقاً في نقدك ، بلا جور ولا انحياز ولا تعصب ولا افراط ولا تجاوز ، كنت أقرب إلى العدل والانصاف ، وبالتالي أقرب إلى التقوى ، قل في منقودك ما له وما عليه .. قل ما تراه فيه بحق ولا تتعدّ ذلك فـ «مَنْ بالغ في الخصومةِ أثِم» .
3 ـ إجمع الإيجابي إلى السلبي :
وهذا الأسلوب هو من الأساليب المحبّبة في النقد((1)) ، حيث تبدأ بالإيجابي فتشيد به وتثمّنه ثمّ تنتهي إلى السلبي ، وبهذه الطريقة تكون قد جعلت من الإيجابيات مدخلاً سهلاً للنقد ، لأ نّك بذلك تفتح مسامع القلب قبل الأذنين ليستمع الآخر إلى نقدك أو نصيحتك .. إنّك تقول له : إنّه جيد وطيب وصالح ومحترم لكنّ ثمة مؤاخذات لو انتبه إليها لكان أكثر حسناً وصلاحاً .
فإذا ما احترمت إيجابيات الشخص المنقود وحفظتها له ، ولم تنسفها أو تصادرها لمجرد ذنب أو خطأ أو إساءة ، فإنّك سوف تفتح أبواب الاستماع إلى ما تقول على مصراعيها ، وبذلك تكون قد حققت هدفك من النقد ، وهو إيصال رسالة للمنقود حتى يرعوي أو يتعظ ، كما إنّك لم تجرح إحساسه ولم تخدش مشاعره . وقد دعا القرآن المسلمين إلى احترام إيجابيات الناس في قوله تعالى : (ولا تبخسوا الناس أشياءهم )(2) .
4 ـ الإلتفات إلى الإيجابي :
وقد يكون السلبي لدى أحد الأشخاص أكثر من الإيجابي بحيث يغطّي عليه ، ويكون الإيجابي نادراً للدرجة التي يتعيّن عليك أن تبحث أو تنقّب عنه تنقيباً ، فلا تعدم المحاولة لأن ذلك مما يجعلك في نظر المنقود كريم الطبع .
فلقد مرّ عيسى (عليه السلام) وحواريّوه على جثّة كلب متفسّخة ، فقال الحواريون :
ـ ما أنتن جيفة هذا الكلب !
وقال عيسى (عليه السلام) : انظروا إلى أسنانه .. ما أشدّ بياضها !
لقد كان الحواريون محقّين في نقدهم للجثّة المتفسخة التي تنبعث منها روائح كريهة ، لكنّهم ركّزوا على السلبي (الطاغي) على الجثّة . أمّا المسيح (عليه السلام) فكان ناقداً لا تفوته اللفتة الإيجابية الصغيرة حتى وإن كانت (ضائعة) وسط هذا السلب من النتانة .
وهذا درس نقديّ يعلّمنا كيف أ نّنا يجب أن لا نصادر الإيجابية الوحيدة أو الصغيرة إذا كان المنقود كتلة من السلبيات .
5 ـ أعطه فرصة الدفاع عن نفسه :
حتى ولو كوّنت عن شخص صورة سلبية فلا تتعجّل بالحكم عليه .. استمع إليه أوّلاً .. أعطه فرصة كافية ليقول ما في نفسه وليدافع عن موقفه . قل له : لقد بلغني عنك هذا ، واترك له فرصة الدفاع وتقديم الإفادة ، أي افعل كما يفعل القاضي العادل فهو يضع التهمة بين يدي المتهم ويعطيه فرصة للدفاع عن نفسه وموقفه ، إمّا مباشرة أو عن طريق محام ، فلا تأتي كلمة القضاء الفصل إلاّ بعد أن يدلي الشهود بشهاداتهم ، والمحامي بمرافعته لكيلا يُغمط حق المتهم .
6 ـ حاسب على الظواهر :
قبل أن تمضي في نقدك وترتب عليه الأثر ، احترم نوايا المنقود وحاسبه على الظاهر «فلعلّ له عذراً وأنت تلوم» . وهذا هو الذي يدعو المربّي الاسلامي إلى أن نحمل أخانا على أكثر من محمل ، أي أن نحمل عمله أو قوله على محمل حسن الظن لا إساءة الظنّ .
فقد يكون مضطراً وللضرورة أحكامها فـ «الضرورات تبيح المحظورات» وقد يكون ساهياً ناسياً غير قاصد ولا متعمّد ، والقلم مرفوع عن الناسي أو الجاهل غير المتعمّد ، وقد يكون له رأي أو مبرر غير الذي تراه .
المهم أنت لست مسؤولاً عن دوافع المنقود ونواياه ، وإنّما مسؤول عن ظاهر عمله فقط .
7 ـ استفد من تجربتك في النقد :
لكلّ منّا تجاربه في نقد الآخرين ، أو نقد الآخرين له . وربّما أفادتك حصيلة تجاربك أن تبتعد عن أساليب النقد التي جرحتك أو عمقت جراحك القديمة ، أو سببت لك النفور والبرم ، وربّما زادت في إصرارك على الخطأ كردّ فعل عكسي .
وطالما إنّك كنت قد اكتويت بالنار فلا تكوِ بها غيرك .. حاول أن تضع نفسك في موضع الشخص المنقود ، وتحاش أيّة طريقة جارحة في النقد سبق لك أن دفعت ضريبتها .
فلقد بعث أحد الأدباء الشباب ـ ذات مرّة ـ نتاجه إلى إحدى المجلاّت الأدبية الشهيرة ، وحينما صدر العدد الجديد من المجلة هرع الأديب الشاب إلى السوق لاقتناء نسخته وراح يتصفحها بلهفة بحثاً عن إبداعه فلم يجده لكنّه وجد ردّاً للمحرر يقول له إنّه لا يصلح للأدب وعليه أن يفتش عن مهنة أو هواية أخرى ! وفيما هو يعيش الصدمة وإذا به يرتطم بعمود النور فتنكسر رجله ..
المهم .. انّ همته لم تنكسر .. فقد واصل .. وأصبح أديباً مشهوراً يشار له بالبنان ، فلا تكسر منقودك لأن «مَنْ كسر مؤمناً فعليه جبره» .
8 ـ لتكن رسالتك النقدية واضحة :
لا تجامل على حساب الخطأ ، فالعتاب الخجول الذي يتكلّم بابن عم الكلام ليس مجدياً دائماً ، وقد لا ينفع في إيصال رسالتك الناقدة . فإذا كنت ترى خرقاً أو تجاوزاً صريحاً فكن صريحاً في نقده أيضاً ، وتعلّم خُلق الصراحة وعدم الاستحياء في قول الحق من الله سبحانه وتعالى : (والله لا يستحي من الحقّ )(3) .. قُلْها ولو على نفسك .
يقول أحد الأدباء عن كلمة الحقّ :
«إن أنتَ قلتها متّ
وإن سكتَّ متّ
قُلها إذن ومتْ» !!
9 ـ لا تكل بمكيالين :
إن من مقتضى العدل والانصاف أن لا تكون ازدواجياً في نقودك فإذا انتقدت صديقاً في أمر ما ، وكنت سكتّ عن صديق آخر كان ينبغي أن تنقده للشيء ذاته ، فأنت ناقد ظالم أو منحاز بالنسبة للمنقود لأ نّه يرى أ نّك تكيل بمكيالين ، تنتقده إذا صدر الخطأ منه ، وعندما يصدر الخطأ نفسه من صديق آخر فإنّك تغضّ الطرف عنه محاباة أو مجاملة له .
وقد تكون الازدواجية في أ نّك تنقد خصلة أو خلقاً أو عملاً ولديك مثله ، وهنا عليك أن تتوقع أن يكون الردّ من المنقود قاسياً :
يا أ يُّها الرجلُ المعلّمُ غيره***هلاّ لنفسِكَ كان ذا التعليمُ
ومن مساوئ هذه الحالة أنّ المنقود سوف يستخفّ بنقودك ويعتبرها تجنياً وانحيازاً . فلقد كتب إثنان من الأطفال كتابة وعرضاها على الحسن بن علي (عليه السلام) وقالا له : أيّنا أحسنُ خطاً ، وكان أبوه (علي) حاضراً ، فقال له : احكم بينهما بالعدل ، فإنّه قضاء ! فإذا كان العدل مع الصغار مطلوباً ، فكيف بالكبار ؟!
10 ـ لا تفتح الدفاتر القديمة :
انقد الجديد ودع القديم .. لا تذكّر بالماضي لأنّ صفحته انطوت .. ولا تنكأ الجراح ، فقد تضيّع الهدف من النقد لما جرى مؤخراً ، وربّما تغلق مسامع المنقود عن نقدك وتستثيره لأ نّك نبشت ما كان دفيناً .
إن أخطاء الماضي قد يخجل المنقود من ذكرها ، وربّما تجاوزها وعمل على إصلاحها فتذكيره بها أو ربطها بالأخطاء الجديدة يجعلك في نظره إنساناً غير متسامح ، فلا تصفح ولا تمحو ، وكأ نّك تريد أن تقول له : ما زلت على ضلالك القديم ، وهذا أمر لا يطيقه ، وربّما ثأر لنفسه منك .
11 ـ التدرّج في النقد :
ما تكفيه الكلمة لا تعمّقه بالتأنيب ، وما يمكن إيصاله بعبارة لا تطوّله بالنقد العريض ، فالأشخاص يختلفون ، فربّ شخص تنقده على خطئه ويبقى يجادلك ، وربّ آخر يرفع الراية البيضاء منذ اللحظة الأولى ويقرّ معترفاً بما ارتكب من خطأ ، وربّ ثالث بين بين .
ولذا فقد تكون كلمات من قبيل (ألا تستحي) ؟ (أما فكّرت بالأمر ملياً) ؟ (هل هذا يليق بك كمؤمن) ؟ (هل ترى أن هذا من الانصاف) ؟ وما شاكل ، تغني عن كلمات طويلة ، الأمر الذي يستحبّ معه التدرج في النقد والانتقال من اليسير إلى الشديد .
12 ـ انقده لشخصه :
قد يخرج بعض أصدقائك أو إخوانك عن حدود الأدب واللياقة في النقد ، فلا يكتفي بنقدك شخصياً ، وإنّما يتعدّى إلى والديك وإخوتك فيرشقهم بسهام نقده مما يعقد الموقف ويحول النقد إلى مهاترة . فلا يصح أن تنساق معه ، وإذا كان بينك وبينه نقد ، أي أردت أن تنقده أيضاً فانقده لشخصه لأ نّه هو موضع النقد وليس والديه (ولا تزِرُ وازرة وزر أخرى )(4) .
13 ـ اقترح حلولاً :
قدِّم نقدك في تبيان الإيجابيات والسلبيات ، وركِّز على الجديد ، وعلى نقطة محدّدة بذاتها ، وفي كلّ الأحوال إن كان بإمكانك أن تقدم حلاًّ أو مقترحاً أو علاجاً فبادر ، وسيكون نقدك مقروناً بما يعين المنقود على التخلّص من سلبياته .
ومن الأفضل أن تطرح اقتراحاتك بأسلوب لطيف مثل : (الرأي رأيك لكنني أقترح) .. (هذا ما أراه وفكِّر أنت في الأمر جيِّداً) .. (ماذا لو تفعل ذلك لربّما كان الموقف قد تغيّر) .. (دعنا نجرّب الطريقة التالية فلعلها تنفع) .. إلخ .
14 ـ راعِ الموقع والمكانة :
كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول : «أُمرنا معاشر الأنبياء أن نخاطب الناس على قدر عقولهم» كمظهر من مظاهر الحكمة التي تقول : «لكلّ مقام مقال» الأمر الذي يستدعي أن تراعي مقام الشخص المنقود ، فإذا وجّهت نقدك لأبويك أو أحدهما (فلا تقل لهما أُفٍّ ولا تنهرهما وقول لها قولاً كريماً )(5) . احفظ احترامك لهما ، ابتعد عن كل ما يخدش إحساسهما ، يمكن أن تصبّ نقدك في قالب لطيف ، مثل :
(أنتم أكبر منِّي سنّاً وأكثر تجربة لكنني ـ بكل تواضع ـ أقول أن هذا الأمر غير مناسب) أو (مع كامل حبي واحترامي لكما ، أرى لو أن نعدل عن هذا الموضوع) أو (ما تذهبون إليه صحيح ، لكنّ الأفضل في نظري هو هذا) وما إلى ذلك من عبارات محبّبة توصل بها نقدك ولا تؤذي منقودك .
15 ـ لا تكن لقّاطاً للعثرات :
التقاط العيوب وتسقّط العثرات وتتبّع الزلاّت ، وحفظها في سجل لا يغادر صغيرة ولا كبيرة ، بغية استغلالها ـ ذات يوم ـ للإيقاع بالشخص الذي نوجّه نقدنا إليه ، خلق غير اسلامي . فقد جاء في الحديث : «إنّ أقرب ما يكون العبد إلى الكفر أن يؤاخي الرجل الرجلَ فيحصي عليه عثراته وزلاّته ليعنّفه بها يوماً ما» .
فخيرٌ لك وله أن تنتقده في حينه ، وفي الموضع الذي يستوجب النقد ، ولا تجمع أو تحصي عليه عثراته لتفاجئه بها ذات يوم ، ولا تفاجأ إذا قال عنك أ نّك جاسوس أو متلصص عليه، أو أ نّك تنقده بدافع الحقد الدفين .
16 ـ النقد هدية .. فاعرف كيف تقدّمها :
ورد في الحديث : «أحبّ إخواني مَنْ أهدى إليَّ عيوبي» فلقد اعتبر الاسلام النقد والمؤاخذة على الخطأ (هدية) وترحّم على مهديها «رحم الله مَنْ أهدى إليَّ عيوبي» لأجل أن يكون النقد والنصيحة والتسديد مقبولاً ومرحباً به ، بل يُقابل بالشكر والإبتسامة .
والهدية ـ كما هو معلوم ـ تجلب المودة «تهادوا تحابّوا» فإذا صغت نقدك بأسلوب عذب جميل ، وقدّمته على طبق من المحبّة والإخلاص ، وكنت دقيقاً ومحقاً فيما تنقد ، فسيكون لنقدك وقعه الطيب وأثره المؤثر على نفسية المنقود أو (المهدى إليه) الذي سيتقبّل هديتك على طريقة «ووفقني لطاعة مَنْ سدّدني ومتابعة مَنْ أرشدني» .
أخيراً ..
تذكّر أنّ كلّ إنسان يحبّ ذاته ، فلا تحطّم ذاته بنقدك القاسي الشديد ، كن أحرص على أن ترى ذاته أجمل وأكمل وأنقى من العيوب .. وقل له ذلك .. قل له : إنّ دافعك إلى النقد أن تراه فوق نقدك ، وعندها تكسب أخاً حبيباً بدلاً من أن تخلق لك عدواً .
* الهوامش :
1- وهذا الأسلوب متبع في (النقد الأدبي) أيضاً ، حيث يحاول النقّاد أن يتعرّضوا للجوانب الإيجابية في النصّ الأدبي وإلى الجوانب السلبية فيه ، حتى تكون الصورة النقدية واضحة في ذهن القارئ ، فالجوانب الإيجابية تحتاج إلى كشف وتوضيح وإبراز تماماً كما
2- الأعراف: 85.
3- الأحزاب: 53.
4- الأنعام: 164.
5- الإسراء: 23.
* المصدر: موقع الوحدة الإسلامية
ليكن نقدك لأخيك ، أو لأيّ إنسان آخر نقداً بينياً ، أي بينك وبينه ولا تنقده أمام الآخرين ، فحتى لو كان نقدك هادفاً وهادئاً وموضوعياً إلاّ أنّ النقد في حضور الآخرين ممّن لا علاقة لهم بالأمر قد يدفع الطرف الآخر إلى التشبّث برأيه ، أو الدفاع عن نفسه ولا نقول عن خطئه . ولذا جاء في الحديث : «مَنْ وعظ أخاه سرّاً فقد زانه ومَنْ وعظه علانية فقد شانه» .
2 ـ الإنصاف :
النقد هو حالة تقويم .. حالة وزن بالقسطاس المستقيم ، وكلّما كنت دقيقاً في نقدك ، بلا جور ولا انحياز ولا تعصب ولا افراط ولا تجاوز ، كنت أقرب إلى العدل والانصاف ، وبالتالي أقرب إلى التقوى ، قل في منقودك ما له وما عليه .. قل ما تراه فيه بحق ولا تتعدّ ذلك فـ «مَنْ بالغ في الخصومةِ أثِم» .
3 ـ إجمع الإيجابي إلى السلبي :
وهذا الأسلوب هو من الأساليب المحبّبة في النقد((1)) ، حيث تبدأ بالإيجابي فتشيد به وتثمّنه ثمّ تنتهي إلى السلبي ، وبهذه الطريقة تكون قد جعلت من الإيجابيات مدخلاً سهلاً للنقد ، لأ نّك بذلك تفتح مسامع القلب قبل الأذنين ليستمع الآخر إلى نقدك أو نصيحتك .. إنّك تقول له : إنّه جيد وطيب وصالح ومحترم لكنّ ثمة مؤاخذات لو انتبه إليها لكان أكثر حسناً وصلاحاً .
فإذا ما احترمت إيجابيات الشخص المنقود وحفظتها له ، ولم تنسفها أو تصادرها لمجرد ذنب أو خطأ أو إساءة ، فإنّك سوف تفتح أبواب الاستماع إلى ما تقول على مصراعيها ، وبذلك تكون قد حققت هدفك من النقد ، وهو إيصال رسالة للمنقود حتى يرعوي أو يتعظ ، كما إنّك لم تجرح إحساسه ولم تخدش مشاعره . وقد دعا القرآن المسلمين إلى احترام إيجابيات الناس في قوله تعالى : (ولا تبخسوا الناس أشياءهم )(2) .
4 ـ الإلتفات إلى الإيجابي :
وقد يكون السلبي لدى أحد الأشخاص أكثر من الإيجابي بحيث يغطّي عليه ، ويكون الإيجابي نادراً للدرجة التي يتعيّن عليك أن تبحث أو تنقّب عنه تنقيباً ، فلا تعدم المحاولة لأن ذلك مما يجعلك في نظر المنقود كريم الطبع .
فلقد مرّ عيسى (عليه السلام) وحواريّوه على جثّة كلب متفسّخة ، فقال الحواريون :
ـ ما أنتن جيفة هذا الكلب !
وقال عيسى (عليه السلام) : انظروا إلى أسنانه .. ما أشدّ بياضها !
لقد كان الحواريون محقّين في نقدهم للجثّة المتفسخة التي تنبعث منها روائح كريهة ، لكنّهم ركّزوا على السلبي (الطاغي) على الجثّة . أمّا المسيح (عليه السلام) فكان ناقداً لا تفوته اللفتة الإيجابية الصغيرة حتى وإن كانت (ضائعة) وسط هذا السلب من النتانة .
وهذا درس نقديّ يعلّمنا كيف أ نّنا يجب أن لا نصادر الإيجابية الوحيدة أو الصغيرة إذا كان المنقود كتلة من السلبيات .
5 ـ أعطه فرصة الدفاع عن نفسه :
حتى ولو كوّنت عن شخص صورة سلبية فلا تتعجّل بالحكم عليه .. استمع إليه أوّلاً .. أعطه فرصة كافية ليقول ما في نفسه وليدافع عن موقفه . قل له : لقد بلغني عنك هذا ، واترك له فرصة الدفاع وتقديم الإفادة ، أي افعل كما يفعل القاضي العادل فهو يضع التهمة بين يدي المتهم ويعطيه فرصة للدفاع عن نفسه وموقفه ، إمّا مباشرة أو عن طريق محام ، فلا تأتي كلمة القضاء الفصل إلاّ بعد أن يدلي الشهود بشهاداتهم ، والمحامي بمرافعته لكيلا يُغمط حق المتهم .
6 ـ حاسب على الظواهر :
قبل أن تمضي في نقدك وترتب عليه الأثر ، احترم نوايا المنقود وحاسبه على الظاهر «فلعلّ له عذراً وأنت تلوم» . وهذا هو الذي يدعو المربّي الاسلامي إلى أن نحمل أخانا على أكثر من محمل ، أي أن نحمل عمله أو قوله على محمل حسن الظن لا إساءة الظنّ .
فقد يكون مضطراً وللضرورة أحكامها فـ «الضرورات تبيح المحظورات» وقد يكون ساهياً ناسياً غير قاصد ولا متعمّد ، والقلم مرفوع عن الناسي أو الجاهل غير المتعمّد ، وقد يكون له رأي أو مبرر غير الذي تراه .
المهم أنت لست مسؤولاً عن دوافع المنقود ونواياه ، وإنّما مسؤول عن ظاهر عمله فقط .
7 ـ استفد من تجربتك في النقد :
لكلّ منّا تجاربه في نقد الآخرين ، أو نقد الآخرين له . وربّما أفادتك حصيلة تجاربك أن تبتعد عن أساليب النقد التي جرحتك أو عمقت جراحك القديمة ، أو سببت لك النفور والبرم ، وربّما زادت في إصرارك على الخطأ كردّ فعل عكسي .
وطالما إنّك كنت قد اكتويت بالنار فلا تكوِ بها غيرك .. حاول أن تضع نفسك في موضع الشخص المنقود ، وتحاش أيّة طريقة جارحة في النقد سبق لك أن دفعت ضريبتها .
فلقد بعث أحد الأدباء الشباب ـ ذات مرّة ـ نتاجه إلى إحدى المجلاّت الأدبية الشهيرة ، وحينما صدر العدد الجديد من المجلة هرع الأديب الشاب إلى السوق لاقتناء نسخته وراح يتصفحها بلهفة بحثاً عن إبداعه فلم يجده لكنّه وجد ردّاً للمحرر يقول له إنّه لا يصلح للأدب وعليه أن يفتش عن مهنة أو هواية أخرى ! وفيما هو يعيش الصدمة وإذا به يرتطم بعمود النور فتنكسر رجله ..
المهم .. انّ همته لم تنكسر .. فقد واصل .. وأصبح أديباً مشهوراً يشار له بالبنان ، فلا تكسر منقودك لأن «مَنْ كسر مؤمناً فعليه جبره» .
8 ـ لتكن رسالتك النقدية واضحة :
لا تجامل على حساب الخطأ ، فالعتاب الخجول الذي يتكلّم بابن عم الكلام ليس مجدياً دائماً ، وقد لا ينفع في إيصال رسالتك الناقدة . فإذا كنت ترى خرقاً أو تجاوزاً صريحاً فكن صريحاً في نقده أيضاً ، وتعلّم خُلق الصراحة وعدم الاستحياء في قول الحق من الله سبحانه وتعالى : (والله لا يستحي من الحقّ )(3) .. قُلْها ولو على نفسك .
يقول أحد الأدباء عن كلمة الحقّ :
«إن أنتَ قلتها متّ
وإن سكتَّ متّ
قُلها إذن ومتْ» !!
9 ـ لا تكل بمكيالين :
إن من مقتضى العدل والانصاف أن لا تكون ازدواجياً في نقودك فإذا انتقدت صديقاً في أمر ما ، وكنت سكتّ عن صديق آخر كان ينبغي أن تنقده للشيء ذاته ، فأنت ناقد ظالم أو منحاز بالنسبة للمنقود لأ نّه يرى أ نّك تكيل بمكيالين ، تنتقده إذا صدر الخطأ منه ، وعندما يصدر الخطأ نفسه من صديق آخر فإنّك تغضّ الطرف عنه محاباة أو مجاملة له .
وقد تكون الازدواجية في أ نّك تنقد خصلة أو خلقاً أو عملاً ولديك مثله ، وهنا عليك أن تتوقع أن يكون الردّ من المنقود قاسياً :
يا أ يُّها الرجلُ المعلّمُ غيره***هلاّ لنفسِكَ كان ذا التعليمُ
ومن مساوئ هذه الحالة أنّ المنقود سوف يستخفّ بنقودك ويعتبرها تجنياً وانحيازاً . فلقد كتب إثنان من الأطفال كتابة وعرضاها على الحسن بن علي (عليه السلام) وقالا له : أيّنا أحسنُ خطاً ، وكان أبوه (علي) حاضراً ، فقال له : احكم بينهما بالعدل ، فإنّه قضاء ! فإذا كان العدل مع الصغار مطلوباً ، فكيف بالكبار ؟!
10 ـ لا تفتح الدفاتر القديمة :
انقد الجديد ودع القديم .. لا تذكّر بالماضي لأنّ صفحته انطوت .. ولا تنكأ الجراح ، فقد تضيّع الهدف من النقد لما جرى مؤخراً ، وربّما تغلق مسامع المنقود عن نقدك وتستثيره لأ نّك نبشت ما كان دفيناً .
إن أخطاء الماضي قد يخجل المنقود من ذكرها ، وربّما تجاوزها وعمل على إصلاحها فتذكيره بها أو ربطها بالأخطاء الجديدة يجعلك في نظره إنساناً غير متسامح ، فلا تصفح ولا تمحو ، وكأ نّك تريد أن تقول له : ما زلت على ضلالك القديم ، وهذا أمر لا يطيقه ، وربّما ثأر لنفسه منك .
11 ـ التدرّج في النقد :
ما تكفيه الكلمة لا تعمّقه بالتأنيب ، وما يمكن إيصاله بعبارة لا تطوّله بالنقد العريض ، فالأشخاص يختلفون ، فربّ شخص تنقده على خطئه ويبقى يجادلك ، وربّ آخر يرفع الراية البيضاء منذ اللحظة الأولى ويقرّ معترفاً بما ارتكب من خطأ ، وربّ ثالث بين بين .
ولذا فقد تكون كلمات من قبيل (ألا تستحي) ؟ (أما فكّرت بالأمر ملياً) ؟ (هل هذا يليق بك كمؤمن) ؟ (هل ترى أن هذا من الانصاف) ؟ وما شاكل ، تغني عن كلمات طويلة ، الأمر الذي يستحبّ معه التدرج في النقد والانتقال من اليسير إلى الشديد .
12 ـ انقده لشخصه :
قد يخرج بعض أصدقائك أو إخوانك عن حدود الأدب واللياقة في النقد ، فلا يكتفي بنقدك شخصياً ، وإنّما يتعدّى إلى والديك وإخوتك فيرشقهم بسهام نقده مما يعقد الموقف ويحول النقد إلى مهاترة . فلا يصح أن تنساق معه ، وإذا كان بينك وبينه نقد ، أي أردت أن تنقده أيضاً فانقده لشخصه لأ نّه هو موضع النقد وليس والديه (ولا تزِرُ وازرة وزر أخرى )(4) .
13 ـ اقترح حلولاً :
قدِّم نقدك في تبيان الإيجابيات والسلبيات ، وركِّز على الجديد ، وعلى نقطة محدّدة بذاتها ، وفي كلّ الأحوال إن كان بإمكانك أن تقدم حلاًّ أو مقترحاً أو علاجاً فبادر ، وسيكون نقدك مقروناً بما يعين المنقود على التخلّص من سلبياته .
ومن الأفضل أن تطرح اقتراحاتك بأسلوب لطيف مثل : (الرأي رأيك لكنني أقترح) .. (هذا ما أراه وفكِّر أنت في الأمر جيِّداً) .. (ماذا لو تفعل ذلك لربّما كان الموقف قد تغيّر) .. (دعنا نجرّب الطريقة التالية فلعلها تنفع) .. إلخ .
14 ـ راعِ الموقع والمكانة :
كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول : «أُمرنا معاشر الأنبياء أن نخاطب الناس على قدر عقولهم» كمظهر من مظاهر الحكمة التي تقول : «لكلّ مقام مقال» الأمر الذي يستدعي أن تراعي مقام الشخص المنقود ، فإذا وجّهت نقدك لأبويك أو أحدهما (فلا تقل لهما أُفٍّ ولا تنهرهما وقول لها قولاً كريماً )(5) . احفظ احترامك لهما ، ابتعد عن كل ما يخدش إحساسهما ، يمكن أن تصبّ نقدك في قالب لطيف ، مثل :
(أنتم أكبر منِّي سنّاً وأكثر تجربة لكنني ـ بكل تواضع ـ أقول أن هذا الأمر غير مناسب) أو (مع كامل حبي واحترامي لكما ، أرى لو أن نعدل عن هذا الموضوع) أو (ما تذهبون إليه صحيح ، لكنّ الأفضل في نظري هو هذا) وما إلى ذلك من عبارات محبّبة توصل بها نقدك ولا تؤذي منقودك .
15 ـ لا تكن لقّاطاً للعثرات :
التقاط العيوب وتسقّط العثرات وتتبّع الزلاّت ، وحفظها في سجل لا يغادر صغيرة ولا كبيرة ، بغية استغلالها ـ ذات يوم ـ للإيقاع بالشخص الذي نوجّه نقدنا إليه ، خلق غير اسلامي . فقد جاء في الحديث : «إنّ أقرب ما يكون العبد إلى الكفر أن يؤاخي الرجل الرجلَ فيحصي عليه عثراته وزلاّته ليعنّفه بها يوماً ما» .
فخيرٌ لك وله أن تنتقده في حينه ، وفي الموضع الذي يستوجب النقد ، ولا تجمع أو تحصي عليه عثراته لتفاجئه بها ذات يوم ، ولا تفاجأ إذا قال عنك أ نّك جاسوس أو متلصص عليه، أو أ نّك تنقده بدافع الحقد الدفين .
16 ـ النقد هدية .. فاعرف كيف تقدّمها :
ورد في الحديث : «أحبّ إخواني مَنْ أهدى إليَّ عيوبي» فلقد اعتبر الاسلام النقد والمؤاخذة على الخطأ (هدية) وترحّم على مهديها «رحم الله مَنْ أهدى إليَّ عيوبي» لأجل أن يكون النقد والنصيحة والتسديد مقبولاً ومرحباً به ، بل يُقابل بالشكر والإبتسامة .
والهدية ـ كما هو معلوم ـ تجلب المودة «تهادوا تحابّوا» فإذا صغت نقدك بأسلوب عذب جميل ، وقدّمته على طبق من المحبّة والإخلاص ، وكنت دقيقاً ومحقاً فيما تنقد ، فسيكون لنقدك وقعه الطيب وأثره المؤثر على نفسية المنقود أو (المهدى إليه) الذي سيتقبّل هديتك على طريقة «ووفقني لطاعة مَنْ سدّدني ومتابعة مَنْ أرشدني» .
أخيراً ..
تذكّر أنّ كلّ إنسان يحبّ ذاته ، فلا تحطّم ذاته بنقدك القاسي الشديد ، كن أحرص على أن ترى ذاته أجمل وأكمل وأنقى من العيوب .. وقل له ذلك .. قل له : إنّ دافعك إلى النقد أن تراه فوق نقدك ، وعندها تكسب أخاً حبيباً بدلاً من أن تخلق لك عدواً .
* الهوامش :
1- وهذا الأسلوب متبع في (النقد الأدبي) أيضاً ، حيث يحاول النقّاد أن يتعرّضوا للجوانب الإيجابية في النصّ الأدبي وإلى الجوانب السلبية فيه ، حتى تكون الصورة النقدية واضحة في ذهن القارئ ، فالجوانب الإيجابية تحتاج إلى كشف وتوضيح وإبراز تماماً كما
2- الأعراف: 85.
3- الأحزاب: 53.
4- الأنعام: 164.
5- الإسراء: 23.
* المصدر: موقع الوحدة الإسلامية
ثلث الكلام: كلنا شركاء بالصمت
صحوة ضمير يحتاجها الإعلام التونسي
٭ بقلم: سميرة الخياري كشو
جريدة الشروق
حين كان الطرابلسية يعبثون بتاريخ تونس وبآثارها... كنا جميعنا نعرف.. حين أغرق الطرابلسية الأسواق بالبضائع الصينية وفتكوا بالاقتصاد.. وأغرقوا الشوارع بالمخدّرات كلنا كنّا نعرف..
ـ حين تم ادخال البضائع المخلّة بالصحة والمسرطنة واللعب الاسرائيلية كلنا كنا نعرف، وكنت نشرت مقالا على أعمدة «الشروق» فيه التفاصيل مدعّمة بالصور بتاريخ 20 أفريل 2009 وكانت النتيجة ان قامت وزارة التجارة بحملة سريعة لحجز هذه اللعب المتمثلة في طائرات بالونات تابعة لشركة العال الاسرائيلية للطيران.. ولولا المحجوز الذي نمتلكه لواجهنا تهمة الترويج لأخبار زائفة..
ـ حين استحوذ صخر الماطري على دار الصباح.. كلنا كنا نعرف... ومنها أسس الزيتونة والبنك... واستولى على مكتب في كل مركز بريد ليصبح فرعا للزيتونة.. يومها كنا كلنا شهود عيان...
ـ حين استولى آل بن علي على الأراضي وعلى العقارات وعلى المطاعم... وأفزعوا رجال الأعمال... كلنا كنّا نعرف التفاصيل..
ـ حين حدث التعذيب وحدثت الانتهاكات والتجاوزات... كلنا كنا نعرف..
ـ حين استولت العائلة المافيوزية على الإعلام بالإذاعات الخاصة والصحف.. كلنا كنا نعرف.. بل تجاوز الأمر من باعوا ضمائرهم للتهليل بامبراطور الاعلام الجديد.
ـ حين امتدت شبكات المافيا لتستولي على قطاع الديوانة ومعاقبة كل من تخوّل له نفسه العمل بشرف.. كنا نتابع ونشاهد..
جميعنا دون استثناء.. كنا نعرف كنا نراهم.. كنا نراقبهم.. من منازل حي البراطل... مرورا ببلدية حلق الوادي الى تقسيمات الاراضي التابعة للدولة الى إجبار أعوان الأمن على القيام بأعمال الحراسة المستمرة للصوص الى متاجرتهم في كل شيء من التعليم الى أخلاقنا وحريتنا وأنفاسنا..
واليوم وحين انتفض الشعب... وأوقع بعصابة آل بن علي والطرابلسية... اختفت الجرائم.. وصارت مقاضاتهم مرتبطة بجنح خفيفة او جرائم شخصية لا علاقة لها بالشعب التونسي وما عاناه منهم اليوم صرنا كلنا عميانا متفاجئين من هول الصدمة؟ فهل يعقل هذا؟ وصرنا نلقي باللوم على جهاز دون غيره..
لنعترف بالحقيقة ولو كانت مرّة.
كلنا كنا نعلم.. كلنا كنا شركاء في الصمت..
لذلك علينا ان لا نعيد كتابة تاريخ أخطائنا مرة أخرى... كلنا نعرف ما حدث بين ديسمبر وجانفي ..
كلنا نعرف ان لهذه الحقيقة وجوها عدة... لذلك دعنا لا نكون شركاء في الصمت من جديد فالتاريخ لا يرحم شهود الزور.
http://www.alchourouk.com
الأخوة الصادقة ونفاقنا الاجتماعي
1. كان النبي (ص) يربّي المجتمع الإسلامي الأول على التضامن وتكريس الأخوة، قائلا: "مَثَلُ المؤمنين في تَوَادِّهم وتراحُمِهم، كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد بالسَّهَر والحُمَّى" (البخاري).. ولم يكن الصحابة يحرصون على استعمال لفظ الأخ كلما تخاطبوا فيما بينهم، لأنهم كانوا مشغولين بتحقيق معاني الأخوة في سلوكهم وتعاهدها بصدق في مشاعرهم..
أما نحن فأصبحنا نكتفي من الأخوة كلمتها، وتكاسلنا في إقامة معناها.. ولذلك أصبحت تجد الجميع يخاطب الآخرين: (يا أخي)، و(يا أخي في الله)، و(يا أخي الحبيب)، ولا يتورع عن غيبته وسبه والاستهزاء به في السر والعلن.
وتجد من يبتسم ويبشّ في وجهك، ويصافحك بيده القوية مصافحةً تكاد تخلع أصابع يدك، ظنا منك أنها دليل مشاعر الأخوة التي يكنها لك.. ثم تكشف لك الأيام خبايا الأنفس وما تخفي الصدور من مشاعر الضيق والتبرم والحسد والكره تجاهك.
* * * * * *
2. كان النبي (ص)، يعلم أصحابه: "لأَنْ أمشي مع أخ في حاجة، أحبّ إليَّ مِن أن أعتكف في هذا المسجد -يعني مسجد المدينة- شهرًا".
كان النبي (ص) يعلمهم أن حقيقة الأخوة تجعل من همّ الفرد همّا محمولا من الجماعة وليس من الفرد فقط. وأن ما يسوء شخصا يسوء الجميع، وما يحزن الفرد يحزن الجميع، وما يؤلم الفرد يؤلم الجميع.
وكان يعلمهم أن خدمة الآخرين ومساندتهم عند الحاجة، عبادةٌ عمليةٌ أفضل وأعظم أجرا من عبادة النوافل والأعمال الفردية التي يعود نفعها على الشخص لذاته ولا يعود نفعها على الآخرين.
أما نحن، فقد تبلدت أحاسيسنا تجاه الآخرين، مع الاحتفاظ ببعض شكليات العلاقة التي لا تكلف جهدا ولا عناء، والتي تسمح لنا بتلميع الصورة أمام الناس، ونستعملها للتبرير عند الضرورة، إن وجه إلينا اللوم يوما ما.
أصبح التزام المسجد أقصى ما يحرص عليه الواحد منا.. وأما هموم الناس وحقوقهم فلتذهب مع الوقت.. سيبقون مهمومين بضعة أيام ثم ينسون..
* * * * * *
3. كان الرسول (ص) يحث صحابته على هذه الاخلاق، وكان يفاضل بينهم بحسب نفعهم للناس ويقول عنهم: "أفضلهم عنده أعمهم نصيحةً.. وأعظمهم عنده منزلةً، أحسنهم مؤاساة ومؤازرة ".. وكان يربيهم على التزام الجماعة والعمل على تقويتها وتقديم مصلحتها على المصلحة الفردية..
أما نحن، فقد أصبح مقياس التفاضل لدينا هو حفظ القرآن والمداومة على الصلوات في المسجد، حتى وإن كلف ذلك الإغراق في التفاصيل واستهلاك الوقت والجهد، بدون أن ننهض للتواصل مع الآخرين لمعرفة همومهم ومشاكلهم..
* * * * * *
4. كان النبي (ص) إذا غاب أحد الصحابة يومين متتابعين، سأل إن كان مريضا أو له هموم منعته عن الحضور.. وكان يفعل ذلك مع جميع الصحابة، كبيرهم وصغيرهم، قريبهم وبعيدهم.
أما نحن، فإن غاب أحدنا لم يفتقد، وإن افتقد اتهم بالضعف والتهاون في أداء الفرائض.
* * * * * *
5. القرآن الذي نتلوه صباح مساء يخاطبنا جميعا: "إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم". وهذه الآية صيغة أمر، تؤكد على قدسية الأخوة الإيمانية وأن لا مجال للتهاون في مقتضياتها، وأن الإخلال بأي مقتضى من مقتضياتها من أعظم الحرام. وتؤكد الآية على وجوب المبادرة للإصلاح بين الناس حين يختلفون. وإلا فالجميع آثمون.
أما نحن، فترى البعض يرى إخوانه يظلم احدهم الآخر، ويغتاب أحدهم الآخر، ويحقر أحدهم الآخر، ثم لا يجد في نفسه أي شعور بالواجب، أو أي حاجة للتدخل بالحسنى، أو ضرورة للإصلاح بين الناس.
* * * * * *
6. حين صاغ النبي (ص) دستور المدينة المؤسس للمجتمع المسلم، كتب فيه من جملة الوصايا والقوانين التي يتوجب على كل مسلم الالتزام بها دون تهاون أو غفلة: "وَإِنَّ الْمُؤْمِنِينَ لاَ يَتْرُكُونَ مُفْرَحًا بَيْنَهُمْ (أي مُثْقَلاً بالديون) أَنْ يُعْطُوهُ بِالْمَعْرُوفِ فِي فِدَاءٍ أَوْ عَقْلٍ. - وَإِنَّ الْمُؤْمِنِينَ الْمُتَّقِينَ عَلَى مَنْ بَغَى مِنْهُمْ، أَوِ ابْتَغَى دَسِيعَةَ ظُلْمٍ (أي طلب عَطِيَّةً من دونِ حقٍّ) أَوْ إِثْمٍ أَوْ عُدْوَانٍ أَوْ فَسَادٍ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ. - وَإِنَّ أَيْدِيَهُمْ عَلَيْهِ جَمِيعًا، وَلَوْ كَانَ وَلَدَ أَحَدِهِمْ".
أما نحن، فترى أحدنا يسمع صاحبه يغتاب الآخر، فيضحك في وجهه مسرورا، وفي بعض الأحيان مصدّقا وموافقا ومؤيدا. ثم ترانا نتزاحم بالمناكب على الصف الأول في الصلاة. ثم لا نجد في أنسفنا حرجا من ذلك، بل نغلفه أحيانا بالحرص على الإسلام والمسجد، ونبحث عن التبريرات التي تجعل من فعلنا أمروا طبيعيا بل ضرورة دينية، عوض الاعتراف بحقيقة كونها غيبة أو نميمة أو بهتانا.
أليست هذه من مظاهر النفاق الاجتماعي التي تمارس في محيطنا المتدين؟
وأتساءل بصدق: هل نحن فعلا متدينون حق التدين؟
أما نحن فأصبحنا نكتفي من الأخوة كلمتها، وتكاسلنا في إقامة معناها.. ولذلك أصبحت تجد الجميع يخاطب الآخرين: (يا أخي)، و(يا أخي في الله)، و(يا أخي الحبيب)، ولا يتورع عن غيبته وسبه والاستهزاء به في السر والعلن.
وتجد من يبتسم ويبشّ في وجهك، ويصافحك بيده القوية مصافحةً تكاد تخلع أصابع يدك، ظنا منك أنها دليل مشاعر الأخوة التي يكنها لك.. ثم تكشف لك الأيام خبايا الأنفس وما تخفي الصدور من مشاعر الضيق والتبرم والحسد والكره تجاهك.
* * * * * *
2. كان النبي (ص)، يعلم أصحابه: "لأَنْ أمشي مع أخ في حاجة، أحبّ إليَّ مِن أن أعتكف في هذا المسجد -يعني مسجد المدينة- شهرًا".
كان النبي (ص) يعلمهم أن حقيقة الأخوة تجعل من همّ الفرد همّا محمولا من الجماعة وليس من الفرد فقط. وأن ما يسوء شخصا يسوء الجميع، وما يحزن الفرد يحزن الجميع، وما يؤلم الفرد يؤلم الجميع.
وكان يعلمهم أن خدمة الآخرين ومساندتهم عند الحاجة، عبادةٌ عمليةٌ أفضل وأعظم أجرا من عبادة النوافل والأعمال الفردية التي يعود نفعها على الشخص لذاته ولا يعود نفعها على الآخرين.
أما نحن، فقد تبلدت أحاسيسنا تجاه الآخرين، مع الاحتفاظ ببعض شكليات العلاقة التي لا تكلف جهدا ولا عناء، والتي تسمح لنا بتلميع الصورة أمام الناس، ونستعملها للتبرير عند الضرورة، إن وجه إلينا اللوم يوما ما.
أصبح التزام المسجد أقصى ما يحرص عليه الواحد منا.. وأما هموم الناس وحقوقهم فلتذهب مع الوقت.. سيبقون مهمومين بضعة أيام ثم ينسون..
* * * * * *
3. كان الرسول (ص) يحث صحابته على هذه الاخلاق، وكان يفاضل بينهم بحسب نفعهم للناس ويقول عنهم: "أفضلهم عنده أعمهم نصيحةً.. وأعظمهم عنده منزلةً، أحسنهم مؤاساة ومؤازرة ".. وكان يربيهم على التزام الجماعة والعمل على تقويتها وتقديم مصلحتها على المصلحة الفردية..
أما نحن، فقد أصبح مقياس التفاضل لدينا هو حفظ القرآن والمداومة على الصلوات في المسجد، حتى وإن كلف ذلك الإغراق في التفاصيل واستهلاك الوقت والجهد، بدون أن ننهض للتواصل مع الآخرين لمعرفة همومهم ومشاكلهم..
* * * * * *
4. كان النبي (ص) إذا غاب أحد الصحابة يومين متتابعين، سأل إن كان مريضا أو له هموم منعته عن الحضور.. وكان يفعل ذلك مع جميع الصحابة، كبيرهم وصغيرهم، قريبهم وبعيدهم.
أما نحن، فإن غاب أحدنا لم يفتقد، وإن افتقد اتهم بالضعف والتهاون في أداء الفرائض.
* * * * * *
5. القرآن الذي نتلوه صباح مساء يخاطبنا جميعا: "إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم". وهذه الآية صيغة أمر، تؤكد على قدسية الأخوة الإيمانية وأن لا مجال للتهاون في مقتضياتها، وأن الإخلال بأي مقتضى من مقتضياتها من أعظم الحرام. وتؤكد الآية على وجوب المبادرة للإصلاح بين الناس حين يختلفون. وإلا فالجميع آثمون.
أما نحن، فترى البعض يرى إخوانه يظلم احدهم الآخر، ويغتاب أحدهم الآخر، ويحقر أحدهم الآخر، ثم لا يجد في نفسه أي شعور بالواجب، أو أي حاجة للتدخل بالحسنى، أو ضرورة للإصلاح بين الناس.
* * * * * *
6. حين صاغ النبي (ص) دستور المدينة المؤسس للمجتمع المسلم، كتب فيه من جملة الوصايا والقوانين التي يتوجب على كل مسلم الالتزام بها دون تهاون أو غفلة: "وَإِنَّ الْمُؤْمِنِينَ لاَ يَتْرُكُونَ مُفْرَحًا بَيْنَهُمْ (أي مُثْقَلاً بالديون) أَنْ يُعْطُوهُ بِالْمَعْرُوفِ فِي فِدَاءٍ أَوْ عَقْلٍ. - وَإِنَّ الْمُؤْمِنِينَ الْمُتَّقِينَ عَلَى مَنْ بَغَى مِنْهُمْ، أَوِ ابْتَغَى دَسِيعَةَ ظُلْمٍ (أي طلب عَطِيَّةً من دونِ حقٍّ) أَوْ إِثْمٍ أَوْ عُدْوَانٍ أَوْ فَسَادٍ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ. - وَإِنَّ أَيْدِيَهُمْ عَلَيْهِ جَمِيعًا، وَلَوْ كَانَ وَلَدَ أَحَدِهِمْ".
أما نحن، فترى أحدنا يسمع صاحبه يغتاب الآخر، فيضحك في وجهه مسرورا، وفي بعض الأحيان مصدّقا وموافقا ومؤيدا. ثم ترانا نتزاحم بالمناكب على الصف الأول في الصلاة. ثم لا نجد في أنسفنا حرجا من ذلك، بل نغلفه أحيانا بالحرص على الإسلام والمسجد، ونبحث عن التبريرات التي تجعل من فعلنا أمروا طبيعيا بل ضرورة دينية، عوض الاعتراف بحقيقة كونها غيبة أو نميمة أو بهتانا.
أليست هذه من مظاهر النفاق الاجتماعي التي تمارس في محيطنا المتدين؟
وأتساءل بصدق: هل نحن فعلا متدينون حق التدين؟
2011/04/20
في العلم والعمل، وأسباب التنوع
أن تشاهد ما أمامك، هذا شيء...
وأن تتأمل فيما تشاهده إليه، هذا أمر آخر...
وأن تفهم ما رأيته، هذا أمر ثالث...
وأن تتعلم مما فهمته، هذا شيء يختلف تماماً...
ولكن أن تتصرف بناء على ما تعلمته، فهذا هو الأمر الذي يهم حقاً...
Que tu voies, c'est une chose.
Que tu regardes ce que tu vois, c'est une autre chose.
Que tu comprennes ce que tu regardes, c'est une 3ème chose.
Que tu apprennes de ce que tu comprends, en voilà une chose différente.
Mais, que tu agisses sur la base de ce que tu as appris, voilà la chose qui importe le plus.
S'abonner à :
Messages (Atom)